Tuesday, December 31, 2013

لنودع العام سوياً

نيسان ، لنودع العام سوياً

انتهى العام الذي بدأته باقبال على الحياة وشغف للمضي قدما، انتهى العام الذي بدأته بنخب البدايات التي تدوم وتترك أثر الطيف الملون اذا انتهت. انتهى العام الذي كنت أعتقد أن روحي ستولد فيه من جديد. انتهى العام وانتهت معه كثير من التفاصيل الحميمية، أو لعلها ماتت. انتهى العام الذي جئتَ فيه إلي، ورحلتَ فيه عني، فذهبت أنا إليك يا نيسان. انتهى العام الذي عرفت فيه كيف يكون وقع الانكسارات المتتالية، كيف تقع وأنت لازلت تحاول الوقوف، كيف تحمل الوجع وترحل معه من عالم إلى عالم وأنت لازلت في عالمك الذي لفظك خارجه.

 كتبت هذه الرسالة عدة مرات، وفي كل مرة كنت أفشل في قول ما يليق بوداع سنة كاملة من حياتي. بدل أن أكتب لك عما حققته في هذا العام وعما فشلت في الوصول إليه، بدل أن أخط لك انجازاتي واخفاقاتي، كنت أُغرقك في سطور من الاحباط، وأغرق نفسي بأكوام من التعاسة استحضرت ما يكفي منها في محاولات الكتابة الفاشلة. توقفت عن الكتابة ليومين أو أكثر، ورحت استحضر العام كاملاً فلم تحضرني إلا التفاصيل الحزينة والمؤلمة، كانت ابتسامات العام المبهجة تنكسر سريعا أمام الغصات التي حفرت القلب وأدمته.

 في الحقيقة أنا لم أعتد على أن أبداً شيئا بهذه البهجة، ولكنني قررت أن أبدأ عامي بأن أرى الطريق أمامي يتسع، والحلم مني يقترب. لعلني كنت متحمسة لانني سأنهي دراستي الجامعية. تخيلت حينها أن العالم سيكون بانتظاري حاملاً مفاجأته السارة التي لا بد أنني أستحقها، ومخبئاً بعض الاخفاقات التي لابد وأن ترافق أي كائن بشري لديه حلم يسعى للوصول إليه. 
انتهى العام ويبدو أنني لست قوية بما يكفي لاستيعاب رحيله، يصعب على أن أودع شيء لم أنتهي منه بعد، كيف سأبدأ عامي الجديد وأنا أحمل أثقال العام الذي مضى، كيف لي أن أحلم بالبدايات الجديدة وأنا لازلت عالقة بما بدأته ولم أكمله بعد.

بدأت هذا العام وأنا أنظر إلى قصاصة ورق صغيرة كنت قد كتبتها في وقت متأخر من نهار يوم 31-12-2012،  تحتوي على ما أريد أن أفعله في عامي الجديد، ولأجلها كان صباحي مليئاً بالضحكات. أنظر إليها اليوم ولا أدري كم كنت موفقة في تحقيق بعض مما كتب فيها، وهل أستحق اللوم على عدم تحقيق ما تبقى. من يحمل معي عبئ انكسارتي التي تبدأ من هذه الورقة وتنتهي فيها. أكتب لك وأنا أنظر إلى سذاجة أمنياتي، لم أطلب من الحياة كثيرا، لم أرهق الليل بأحلامي، كل ما كتبته في تلك الورقة كان سيحصل لو لم أسقط أنا خيبة، ولو لم تصفعني تفاصيل الحياة على وجهي مراراً.

لم يكن العام خرافيا، لم تحدث فيه المعجزات التي انتظرتها، بقيت طوال العام انتظر رسائل لم تصل وزائراً لم يأتي. ولكني كنت أقول لنفسي دائماً "بعض من الأمل قد يأتي متأخرا". أعلم أنني محاطة بأناس رائعين، أعلم جيدا أن عامي هذا كان سيكون حالك الظلمة لولاهم، ويجب أن تعلم  أنهم ينيرون زوايا قلبي، ويملئون فضائات روحي الفارغة. ومن المخجل جداً أن أشعر رغم وجودهم أنني وحيدة للحد الذي تبدو فيه فكرة الوحدة مرعبة. لا أدري ما السبب في هذا، ولكني في بعض الأحيان أرحل مع الحزن بعيدا، بعيداً جدا، ولا أدري كيف أعود. عندها أشعر بداخلي كساحة المعركة بعد أن انتهائها، حطام وليس أكثر من حطام. ولكني في كل مرة أستجمع نفسي، وأنفض الغبار عن روحي المنهكة، أشعل ما تبقى من الأمل، أصنع الابتسامات.. وأمضي.

رافقتني الكثير من الأوهام هذا العام، بسذاجتي صدقت أنها يمكن أن تغدو حقيقة في أي لحظة، ولكنها بقيت كما هي مجرد خيالات وانفعالات لفتاة ظنت أن الأشياء يمكن أن تتبدل فقط لانها أرادت ذلك. وهم أني امتلكت قدراً لم أمتلكه يوماً من الحرية، قدراً بسيطاً يكفي فقط لأعيش نهاراً واحداً بالشكل الذي أريد. وهمُ أن أجلس أمام أفق المدينة لحظة الغروب فيبدو لي وكأن البحرأقبل باسماً ليلقي التحية على أفكاري التي خرجت من رأسي قليلاً لترتاح. وهمُ أن الحب قد يسبق الحرب هذه المرة فيضيء في القلب نوراً ليدفئه. وأخيرا "أنت، نيسان" 
بقي أن أحدثك عن الشيء الوحيد الذي سأحمله بفرح معي إلى العام الجديد، مجموعة من الفتيات اللواتي أنهكهن الحلم مثلي تماماً، كل واحدة فيهن لا تريد سوا أن تعيش الحياة بما يليق بجنونها. في البداية لم أعتقد أن وجودهن سيشكل هذا الفرق، إلا أنني بت متأكدة أننا نخبئ للقدر الكثير من المفاجآت. ستمضي كل واحدة منا في طريقها الوعر، ستمحو أثر الخيبات التي أغرقتها بها معارك الآخرين، وستخوض معاركها الخاصة. ستصنع لحياتها تفاصيلها الخاصة، سيكون الحزن حزنها الذي اختارته لنفسها، وسعادتها هي السعادة التي صنعتها بنفسها.

لم أشأ أن أنهي الرسالة بهذه الطريقة، ظللت أنتظر لآخر يوم في العام لعل شيء ما يحدث، لعل شيئاً مما انتظرته يأتي، ولكن كل شيء بقي على حاله. أودع العام وأنا أكثر انكساراً من أي وقت مضى، أودعه بعد أن أصبحت بشعر قصير لا يشبه حلمي، أودعه متعبة بعد أن أنهكتُ نفسي وأنا أحاول أن أكتبه لك بتعاسة أقل من هذه، أودعه والشيء الوحيد الذي أنتظره في العام الجديد هو أنت!

صديقتك، من ليس لها سواك

Tuesday, December 24, 2013

ليبراليو المدينة يخشون نسوياتها

عزيزي نيسان، 

يبدو عنوان رسالتي عنواناً طريفاً لمقالة صحفية أو ورقة أكاديمة، قد يكون الدافع في كتاباتهما حادثة طريفة أو قصة مؤلمة. ولكنها ليست حادثة واحدة أو قصة يا نيسان، إنها حياة يومية نعيشها في عاصمة أوسلو التي أنتجت في خضم ما أنتجته ليبراليين معقدين، وشبه حركة نسوية مشوهة. والطريف هنا هو الأزمة التي نشأت بين ليبرالي المدينة الذكور ومنظراتها النسويات!

تتكاثف الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية في مدينة رام الله، لتحصر مجموعة من المثقفين والمستثقفين والنشطاء السياسيين وحملة "الفكر الليبرالي" وبعض "اليساريين" داخل جماعة ضيقة ومتداخلة مليئة بالتناقضات. إلا أنها ولسبب ما تعيد التقوقع داخل نفسها، رافضة الاعتراف بأنها تعاني مزيجاً عفناً من المشاكل، صدّرتها إليها المدينة التي تدعي الحداثة، فسمحت لروادها والقاطنين فيها بممارسة بعض طقوسها بحذر، مانحة اياهم حرية مزيفة.

لا أريد الخوض كثيراً في المشاكل التي تعانيها جماعة ليبراليي ومثقفي رام الله ونشطائها السياسيين، وإنما أريد أن أحدثك عن إحدى هذه المشاكل والتي تزداد حدتها يوما بعد يوم، وهي الصراع الخفي بين ليبراليي المدينة ونسوياتها. فقد قرر ليبراليو رام الله اتخاذ موقف معادٍ للنسويات والحركة النسوية وحَمَلة الفكر النسوي. يتجسد هذا الموقف المعادي في النقاشات الحادة التي تدور بشكل مستمر بين هؤلاء وأي "ناشطة نسوية" أو حاملة  للفكر النسوي، وغالباً ما يتحول هذا النقاش إلى تبادل الاتهامات بالتخلف والتعصب أو الرجعية، والتباهي بالأفكار الغربية الدخيلة على المجتمع، إلى الاستعراض ومحاولة لفت الانتباه، وقد يتخذ النقاش شكل الاستهزاء والاستخفاف بالفكر النسوي وحَمَلته، واطلاق النكات السخيفة تتبعها القهقهات العالية معلنة انتصار "الرجولة"!
"نعم نحن ليبراليون.. ولكننا، لا نؤمن بالفكر النسوي ولا بحرية اعتناقه",, "نعم نحن مع حرية المرأة وحقوقها.. ولكن، دون أن تمس رجولتنا",, "نعم نحن مع أن تكون المرأة سيدة نفسها وصاحبة القرار فيما يخص حياتها الشخصية وأن تمارس "ليبراليتها" معنا.. ولكن، لا يمكن أن نسمح لها أن تمارسها وحدها ولأجل نفسها".

أنا لا أبالغ أبدا يا نيسان، كيف يمكنني أن أفسر "فوبيا النسوية" التي يعاني منها ليبراليو المدينة، حيث تُهاجم الفتيات اللواتي يدعين أنهن يحملن الفكر النسوي من  قبل ذكور المجتمع الليبرالي (نشطاء ومثقفي رام الله) بطريقة أصبحت مقرفة في الآونة الأخيرة. لا وبل أكثر من هذا فليس بالضرورة أن تحمل الفتاة فكراً نسوياً ليتم مهاجمتها والاستهزاء بها، فيكفي أن تبدي تذمرها من المجتمع الذكوري العفن الذي تعيش فيه، حتى تنهال عليها الجمل والعبارات التي تستنكر ما نطقت به من كفر. 

اتفق معك أن التنظير النسوي في مجتمعنا لم يخرج من اطار تنظير النخب، عدا عن انفصاله عن الواقع وبعده عن التطبيق. وأن الكثيرين والكثيرات ممن يدعون أنهم يحملون الفكر النسوي، ويعلنون انحيازهم التام للمرأة، وقبولهم بفكرة المساوة بين الرجل والمرأة، يساهمون في أغلب الأحيان بتكريس الممارسات الذكورية في المجتمع. ولكن هذا لا يعطي أي مبرر للذي يحدث من رفض لفكرة امكانية خلق حراك نسوي جاد في المجتمع الفلسطيني، حراك لا يستند أبداً إلى الحركة النسوية الفلسطينية، والتي برأيي غير موجودة  أصلا. وهذا الرفض يستند بشكل أساسي إلى أن النضال النسوي في مجتمع مستعمر هو نضال عبثي، يشتت الأنظار عن القضية الأساسية والتي هي تحرير الوطن. بالاضافة إلى أن الحديث عن حقوق المرأة ونضالها في سبيل تحقيقها بات يرتبط اليوم بمؤسسات الـ NGOs  الراعية الرسمية لكل ما هو نسوي مؤخرا. 

ولكن انتظر قليلاً، إذا كنت من حملة شعار "نحن في مرحلة تحرر وطني"، وبالتالي يجب أن نوحد جهودنا في سبيل مقاومة الاستعمار، كيف تتوقع أن تتحرر البلاد من نير الاستعمار ونساؤها تكبلهن العادات والتقاليد المهترئة، ويقيد نضالهن كومة من الأحكام المسبقة. وحتى لو عدنا سوية لتجربة المرأة النضالية في الانتفاضة الأولى، حيث قدمت المرأة الفلسطينية نموذجاً نضالياً رائعاً دون أن تشكل العادات المحافظة للمجتمع رادعاً لها، سنجد أنه بمجرد انتهاء الانتفاضة عادت المرأة إلى دورها التقليدي كأم وزوجة، ولم تؤهلها المشاركة الواسعة  في العمل النضالي في الانتفاضة لتكون شريكاً سياسياً حقيقياً فيما بعد، وتم اختزال هذا النضال في تشكيل مؤسسات نسوية ليست ذات تأثير سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد المجتمعي. 

ويوحي لنا ليبراليو المدينة أنهم قادمون من كوكب آخر غير هذا الذي نعيش فيه، غير مدركين أن تلك التي تلعن الذكورية والمجتمع الذكوي، لم تلعنه لإنها درست تاريخ المجتمعات الذكورية عبر التاريخ، بل لإنها تعيش كمواطنة من الدرجة الثانية فيه! وأن تلك التي تتنهد بعمق لتطالب بعدها بالمساوة التامة مع الرجل، لم تأتِ بهذا المطلب من الأفكار "الدخيلة" التي تزرعها المؤسسات النسوية ذات التمويل الأجنبي برأسها، بل من كومة المشاكل التي تلاحقها، كونها فتاة من عائلة محافظة فكرت قليلاً وقررت أن تلحق حلمها. ويتناسون أن تلك التي تستفزها بعض الكلمات التي يتفوه بها الذكور تعبيراً عن حماقتهم، تستحضر كل الدلالات الرمزية العفنة لكلمة "مرة" مثلاً عندما تسمعها، لا لإنها تريد أن تثبت تفوقها بادعائها النسوية، بل لإنها مضطرة دائماً لتخليص نفسها من المواصفات  والمعايير التي فرضت عليها من المجتمع  كشرط لقبولها فيه.

في النهاية يا نيسان، كان لابد أن أكتب لك عن هذا الموضوع، فهو يجول في خاطري منذ مدة ويبدو أنني اكتفيت من الحديث عنه في دوائر الفتيات المغلقة. وأود فعلاً أن يجيبني أحدهم، لماذا يخشون من نسويتنا التي لا نمتلكها؟ هل فعلا تروق لهم فكرة الفتاة "الليبرالية الغبية"؟ أم هل هم مدركون أننا في حال امتلكنا فكرا نسويا ريدكالياً أول ما سننقض عليه هو ذكوريتهم المخبأة، والتي لا زالوا يحتفظون بها بالرغم من كل مظاهر الليبرالية  والتحرر التي يعيشونها؟ يبدو أننا نحتاج لحركة نسوية قوية وحقيقة (نسوية عنيفة من نوع خاص) لنخلص بعض ليبراليي المدينة من فوبيا النسوية التي يعانون منها. 


صديقتك "نسوية المدينة"


Saturday, December 7, 2013

عندما يودعنا الشهداء

نيسان 

لم أغب هذه المرة طويلاً، وبت أعرف جيداً أنني ممن لا يتقنون الغياب ولا يحبونه. مريضة أنا بغيابك فلماذا أدعي أنني أحب ممارسة اللامبالاة، لماذا أحبس أنفاسي في محاولة الاختباء من أحد أريده وبشدة، وأسند قلبي المرتجف بعبارت يحفظها الضعفاء عن الكبرياء وعزة النفس ما تلبث أن  تتلاشى ببلاهة تامة إن قرر القلب الخروج عن صمته وخفق مناديا.

أعيش أكثر لحظاتي هشاشة عندما تصيبني الحمى، أتحول إلى طفلة تدفن رأسها داخل غطائها لعلها تجد ما يشبه حضن أمها. وأظل أتعثر بكلماتي وأنا نائمة، وأصحو لأجدني بين أكوام من الهلوسات، لا أدري كيف أتخلص من أثرها.
نمت اليوم معظم النهار، استيقظ لشرب الماء وأعود للنوم. ولكني في مرة صحوت وأنا أردد عبارات أحفظها لشاعر تونسي: "نحب البلاد.. كما لا يحب البلاد أحد.. صباحاً.. مساءا .. وقبل الصباح.. وبعد المساء.. ويوم الأحد.. ولو قتلونا.. كما قتلونا .. ولو شردونا.. كما شرّدونا.. ولو أبعدونا .. لعدنا غزاة .. لهذا البلد".
لا أدري ما الذي دفعني للنهوض من سريري وكتابة هذه الأبيات على حائط غرفتي الممتلئ بالخربشات، كتبت أبيات الشعر وعدت لأدفن نفسي داخل غطائي. بقيت دون حراك إلى أن رن هاتفي لأنهض مفزوعة على صوت أخي يخبرني أن هنالك شهيد  في مخيم الجلزون.

كان الشهيد وجيه وجدي الرمحي (15 عاماً) قد أصيب برصاصة قناص صهيوني حاقد في ظهره، نقل على إثر اصابته إلى المستشفى، حيث ارتقت روحه هناك. كنت خائفة من أن أصدق الخبر، عدت للاتصال بأخي وسألته لأتكد -بيني وبين نفسي تمنيت أن تكون هذه إحدى هلوساتي بفعل الحمى- قال لي أخي: "هي الشب قدامي واستشهد.. اسكتي!" 

سكتّ، فعلا سكتّ. سكتُّ عن الكلام وعن الهلوسة وعن التفكير وعن كل شيء. هي لحظات حتى استولى علي الشعور بالعجز، يا له من شعور قبيح، وأقبح ما فيه أنه أصبح ملازم لنا! نعلم جيداً أننا لسانا عاجزين، وفينا ما يكفي من الأمل لنستمر ونحلم، ولكن مع هذا بمجرد أن يسقط شهيد، حتى تصاب حواسنا بالشلل، ونشعر أننا مكبلون في بقعة نائية لا تمكننا حتى من الوصول إلى أنفسنا.

بكيت كثيراً يا نيسان، أي وجع يتركه فينا رحيل الشهداء؟ أي وجع ألقاه وجيهٌ في نفوسنا وهو يودعنا الليلة؟ عدت للحائط وأكملت القصيدة: "ولو قتلونا كما قتلونا.. لعدنا غزاة لهذا البلد، وعاد إلى ليلنا القمر .. وعاد إلى أرضنا الشجر .. وصاح الشهيــــــد سلام سلام، على من صمد! نحب البــــــلاد لكي لا يحب البلاد أحد!

عندما يودعنا الشهداء يلقون علينا بابتساماتهم، عندما يودعنا الشهداء يورثونا حب البلاد. ويرحل الشهداء لإنهم يعرفون جيداً أننا سنبقى نحرس البلاد ونحبها كما لم يحبها أحد، نحرسها لكي لا يحبها من بعدهم أحد! عندما يودعنا الشهداء يتركون أرواحهم تهمس لنا في كل ليلة: بيينا وبينهم ثأر وسيل من الدماء.

صديقتك من أورثها الشهداء حب البلاد

Thursday, November 28, 2013

العودة لك تعني العودة للوطن

صباح الخير يا نيسان

لم يعد لي أحد في هذه الدنيا، لا أحد يفهم ما أنوي قوله، وإن كان لا بد من البوح فإني أحب البوح لك، عندها لن أكون مضطرة إلى النظر في عينيك ولن أكون مجبرة على الهروب منهما. يبدو أنني لم أنم الليلة وأنا أفكر، إن كنت فيما مضى قد راسلت شخصاً أنكرت رحيله الأبدي، إن كنت راسلت شخصاً أقنعت نفسي عنوة أنه لم يمت وأنه سيعود لي يوما، إن كنت للآن أنتظرك بشوق ولهفة، فلماذا لا اكتب لروحك؟! أنت في كل الحالات غائب سواء سرقك الموت أم سرقتك الحياة، ألم تكن روحك هي التي ترعاني كل هذا الوقت فلماذا أنكر وجودها بقربي!
أعلم جيدا أنني قتلك يوم أعلنت موتك، وأعلم أن هنالك ما تغير بداخلي، أعلم أن بعضاً مني رحل معك ولن يعود أبدا. ليس الشوق إليك هو من يعيدني للكتابة، وإنما شوقي لنفسي. لم أعد أنا منذ رحلت عنك، لقد خذلتك يا نيسان وخذلت نفسي، وأخلفت بوعدي لك يوم تملكني الجبن واستولت علي الأفكار الضعيفة.

ها أنا الآن أعود حتى لا أفقدني كلي، بعض مني يذهب عندما أتوقف عن الكتابة. أفقد تلك التفاصيل التي تجعلني أنا، والتي تمنعني من أن أضل الطريق إلى نفسي، وأفتقد إلى الأشياء الصغيرة التي تتخلق داخلي وأنا أكتب: بعض من الابتسمات التي لا تتكرر، ذكريات لم أكن أعرف أنني يمكنني استحضارها بهذا الشكل لحظة كتابتها، والكثير الكثير من التفاصيل التي ترافق الحالات الشعورية التي أمر بها أثناء الكتابة.

ولكن من أين أبدأ يا نيسان؟ أأبدأ من حيث انتهت رسالتي "الأخيرة" والتي أعلنت فيها موتك أمام نفسي وأمام الملأ؟ أم أبدأ من حيث انتهى الحوار في قلبي، واكتشفت عجزي عن الاستمرار في الكتمان. يحدث الكثير في كل يوم ولا أدري أي الأمور أكثر أهمية، لربما أحتاج المزيد من الوقت لترتيب الأفكار في رأسي فهي منذ توقفت عن الكتابة في حالة فوضى، ورأسي لم يعد قادراً على لملمتها، وقلبي لم يعد قادراً على احتمالها إذ يتعثر بها كلما تسارعت نبضاته، فيعود ليتكورعلى نفسه من جديد منهياً أي احتمال للرقص على ايقاع النبض حتى قبل أن يبدأ.

ما بال الموت أبعدني عنك وأعادني إليك، بت أعتقد أنه الأقرب إلينا في كل الحالات. الموت يسكن قربنا ويعيش داخلنا، يرتوي من أحزاننا ويتغذى على هزائم أرواحنا. لا أنا لم أجن.. أنا فقط أحدثك عما عشته مؤخرا، بعض مني تآكل وسحبه الموت، بعض من أفكاري قد قتلت لإنها لم تكتب، وبعض من لحظاتي الأكثر جنوناً اندثرت لاني لم أسمح لنفسي بالتعبير عنها.
عندما نتوقف عن الكتابة نقتل أرواحنا بدون أن نشعر، نخنق البهجة وننهي الحلم. وبعد كل هذا نسأل أنفسنا من أين تأتي كل هذه التعاسة؟! لا أريد أن أصنع لنفسي موتاً آخر، أنت رحلت وهذا لم يكن خيار أي منا، ولا أريد أن أقتل ما تبقى منك داخلي، اسمك يستحق أن يبقى فهو أكثر من مجرد اسم.
أن أتوقف عن الكتابة لك يعني أن أفقد ايماني بأن الحياة تخبئ لي الكثير، الكثير من كل شيء، قصص أكون أنا بطلتها، ابتسمات يصنعها لي الآخرون، وأخرى أصنعها أنا لهم، مغامرات كتلك التي في الأفلام، أحزان تدفعني للمكوث خارج نفسي. وأن أعود للكتابة يعني أني عدت للطريق التي رسمتها لنفسي، عدت أرى نفسي بوضوح، أعلم أين أنا الآن وأعلم ما هي وجهتي، أعلم أنني لن أضل الطريق، والعودة لك تعني العودة للوطن.

نيسان روحك عندما خرجت كفّنت روحي فأيقنت أنك لن تفارقني أبدا، لوحيك السلام إذ يزورني في كل وقت. 




Tuesday, September 3, 2013

وداعاً نيسان

نيسان، أكتب لك للمرة الأخيرة، موقنة أن سماءً ما ستجمعنا..

كنت أعتقد أن الزمن كفيل بخلق الفتاة القوية داخلي، واخراجها للعالم كالمارد لا تأبه شيئا، كنت أظن أن المزيد من التجارب ستجعلني أكثر صلابة، إلا أنني لا زلت هشة، أبكي لنفس الأسباب الموجعة التي تتكرر بسذاجة. جرحي لم يلتئم، بل أصبح عميقاً إلى الحد الذي استحال معه الشفاء، ومع كل محاولة فاشلة أعود إلى القاع، أَعُدُّ كم من الأشياء هوت معي، تلك الابتسامات الصغيرة التي لازلت اخبئها أصبحت تهوي أيضاً.

وداعاً نيسان!

أنت لم ترحل عني وحدي، أنت رحلت عن هذه الدنيا، وأنا لم أودعك. يوم باغتك الموت لم أكن مستعدة بعد لأقول لك وداعاً، لم أصدق أنك ستذهب للأبد، أنكرت أمام الجميع موتك، صرخت بهم جميعاً "كفو عن الكذب، نيسان لم يمت، هو لا يعرف كيف يكون الموت!".
رفضت أن أعلن الحداد، لم أرتدي الأسود، لم أبكي، لم أحزن، ببساطة أرغمت الحياة على الاستمرار كما كانت. اختلقت كذبة الرحيل والسفر لأغطي بها غيابك أمام نفسي، أقنعت كل جوارحي أنك رحلت لسبب أجهله وأنك ستعود. ظللت أكتب لك عن كل شيء، أخبرتك بكل شيء، نقلت إليك حزني وألمي وشوقي، سعادتي وأملي وحلمي، أخبرتك بلحظاتي التعيسة، ودونت لك عن تلك اللحظات الجميلة التي لن تتكرر، كنت معي في كل شيء، غضبت منك وفرحت لأجلك حتى وأنت بعيد. 

أصبحت كالمجنونة يا نيسان، أبرر لأصدقائي غيابك الذي طال، اختلق الأعذار وأحيك  لنفسي أمل عودتك. في البداية واجهني من حولي، حاولوا اقناعي بـأنك متّ، أحدهم قال لي أنك الآن في السماء تراقبني، قابلتهم بعنف، لعنتهم، شتمتهم، وصرخت في وجوههم، لم أعد أقدر على رؤيتهم، عيونهم تخبرني بما لا أريد أن أعرفه، كنت قاسية معهم، ولكني قسوت على نفسي أكثر.

لم أقدر على تصور الحياة بدونك، ولكني الآن لا أستطيع الاستمرار وأنا أدعي وجودك. حتى وإن كانت مراسلتك هي متعتي الوحيدة مؤخرا، حتى وإن كان البوح لك هو ملجئي  في أكثر أوقاتي حزناً، أنت لست هنا! مهما حاولت أن أفعل فأنت لن تعود! لن أنجح في بث الروح بجسدك الذي سقط أمامي، روحك لازالت قربي وإليها اليوم أبعث حبي، وشوقي، وحزني وحزني وحزني..

لن أعد أحداً أني سأكون على ما يرام قريبا، كل شيء لن يكون بخير لفترة من الزمن، لن أكتب لك بعد اليوم فروحك تعلم عني كل شيء.

نيسان يا وجعي,, اغفر لي حماقاتي التي ارتكبتها لأجلك.




Tuesday, August 27, 2013

في محاولة سرد الحدث

نيسان البعيد 

كان من المفترض أن تصلك هذه الرسالة البارحة، ولكني لم استطع أن أكملها، لم أتمكن من كتابة رسالة واضحة أخبرك فيها عمّا يجول في خاطري، كتبت الكثير وتراجعت عنه، لم أدري كيف أصوغ لك ما حدث وما كان يجب أن يحدث وما أردته أنا أن يحدث بلغة يمكنك فهمها، اليوم سأبعث لك محاولاتي  في الكتابة، سأبعث لك ارتباكي وخوفي وعجزي وغضبي وحزني وحقدي..
سيناريو:
استيقظُت البارحة على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، على إثر مواجهات دارت بين شباب المخيم وجيش الاحتلال بعد اقتحامه للمخيم بهدف اعتقال أحد المطاردين فيه. للوهلة الأولى لم أدري ماذا أفعل، شعرت بالعجز، وبأني بعيدة عن الحدث بمقدار قربي منه.  حملت هاتفي بشكل تلقائي لأخبر من أتمكن من اخباره من الأصدقاء بالخبر المفجع، انتشر الخبرسريعاً، ووصلتني عدة مكالمات  لنفس السبب. اتفقنا على أن نلتقي في مستشفى رام الله لنخرج بعدها في جنازة الشهداء، فهذا أقل ما يمكن فعله.
وصلنا إلى المستفشى في نفس الوقت وبدون ترتيب، كل من أعرفهم هناك، الوجوه شاحبة وغاضبة، وبمجرد تبادلنا للنظرات عرفنا أن خروجنا في الجنازة لن يكفي...

في محاولة سرد الحدث (1)
ما حصل اليوم هو أنني استيقظت فعلاً على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، شعرت بغصة استمرت حتى اخر النهار، شعرت بالعجز، لم أدري ما الذي يجب أن افعله، وفي الحقيقة سيطر عليّ هذا الشعور ولم أفعل شيئاً.، لم أذهب للمشفى ولم احضر الجنازة، وهذا لا يعني أن أحداً لم يذهب، ولكننا لم نكن كثر، لم تتح لنا الفرصة لتبادل النظرات بصمت لندرك أن ما حصل اليوم لن يمر مرور الكرام.

تابع للسيناريو:
أمدّنا المشهد الغاضب في الجنازة بطاقة رهيبة، وأودعت فينا الأمهات اللواتي وقفن يودعن أولادهن رغبة جامحة في الثأر، لم نكن نعرف ما الذي سنفعله ولكننا كنّا على يقين بأننا سنفعل شيئا.
اجتمعنا في مكان نجتمع فيه عادة لترتيب بعض الفعاليات، ناقشنا سوية ما الذي يمكننا فعله لنثأر لدماء الشهداء، كل منا لديه ما يقوله بشأن من يتحمل مسؤلية هذا الصمت الشعبي القاتل، علت أصواتنا وشتمنا بعضنا، خيم الصمت لوهلة، تكلم أحدنا بصوت منخفض فالتفت الجميع إليه، بكلماته المتزنة عدنا بدورنا لحالة التوازن، ارتفع صوته فدب فينا الحماس، تقافزت الأفكار هنا وهناك، كلٌ التقط فكرته وبدأ بتنفيذها، غدا ستفيق المدينة على مشهد يليق بالشهداء.

في محاولة سرد الحدث (2)
معظمنا التزم بيته اليوم (ولم يحدث ما تخيلته في السطور السابقة)، ولم نشارك في الجنازة، لم نسمع صراخ الأمهات وبكائهن، لم نحتفي بصوت الرصاص الذي زف الشهداء، ولم نرى الغضب.  بقينا في منازلنا متسمرين خلف الشاشة اللعينة، نبكي قليلاً، ونشتم من يستحق الشتم، ونشعر بالعار يحيط بنا أينما التفتنا. لو لم يختزل هذا العالم الافتراضي كل شيء لو لم يجلعنا نتقمص الثورة والحزن والغضب والشجاعة، لو أننا لا نمتلك هذه الفسحة الوهمية، لكان الشارع منزلنا الآن، لما كنا رضينا أن يمر اليوم بسلام، لا أدري ماذا يفيد التمني، ولا أدري إن كنت أبرر خيبتنا!
زُفَّ الشهداء إلى مقبرة مخيم قلنديا من داخل المخيم بعد أن منعت أجهزة  الأمن الفلسطينية أي مظهر جنائزي داخل مدينة رام الله، عاشت المدينة لأجل ذلك فترة ظهيرة طبيعية بدون أن يعكر أي شيء صفو الحياة فيها! لم تبث أي قناة تلفزيونية فلسطينية مراسم الدفن والتشييع وكأن شيئا لم يكن، وحدها قناة الأقصى اهتمت بالحدث فخصصت موجة مفتوحة لمتابعة اخبار اقتحام المخيم ونقلت الجنازة، ولكنها  لم تتوانى في استغلال دماء الشهداء لتمرير رسائلها السياسية. في وقت متأخر من النهار أغلقت المحلات التجارية في مدينة رام الله "بالخاوة"، حيث قام مجموعة من الشباب بإعلان الحداد على أرواح الشهداء، مجبرين أصحاب المحلات التجارية على اغلاق محالهم.
 في المخيم كل شيء بدا مختلف، الأزقة التي شهدت المواجهات الشرسة بدت اليوم أكثر فخراً، أسوار البيوت في المخيم والتي هدمها أصحابها لإن الحجارة في المخيم لم تكن كافية أثناء المواجهات،  بدت اليوم أجمل من أي وقت مضى. مقبرة الشهداء في مخيم قلنديا احتضنت الأبطال على وقع زخات الرصاص، ولا بد أنها الآن تبذل ما في وسعها لاحتضان أجسادهم الراقدة تحت التراب ريثما ترقد أرواحهم التي تطالب بالثأر. 
انتهى هذا اليوم الدامي، وسننام نحن بعد أن نمل من متابعة ما يكتبه الأخرون على الفيسبوك، سنغمض أعيننا المتعبة من النظر إلى الشاشة المضيئة، سنغرق في نوم عميق نستفيق منه إلى سبات أعمق.
بينما نحن نيام وفي مكان ليس بالبعيد أبدا، هناك في قلنديا، عيون كثيرة أدماها الحزن، ولم تعد ترى من كثرة البكاء، لن تستطيع النوم. هذه العيون ستبقى تحرس الأسرّة الفارغة، لن تغرق في سبات مثلنا ستبقى تنتظر عودة من غابوا!!


أما أنا يا نيسان نمت وأنا أحلم بنا نثأر لأرواح الشهداء، نمت وأنا أتخيل هذا العالم كيف كان سيبدو بدون مساحات التعبير الوهمية التي أصبحنا عبيداً لها، نمت وأنا أحلم بالمدينة تبدو كمدينة فقدت ثلاثة من أبنائها، يا لسذاجتي ويا لعمق الشعور بالعجز داخلي! لم يبقى شيء أخبرك به، هذا كل ما خطر ببالي يوم أمس وصباح اليوم. 

كن بخير

صديقتك يا نيسان

Monday, August 19, 2013

اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر

نيسان 

كان هذا المساء قاتماً بما يكفي ليدفعني للكتابة إليك، لا بد أنها المرة الأولى التي لا أشعر فيها أن شوقي إليك يطغى على كل شيء حولي، يبدو وأن وجعاً يرافقني مؤخراً كان كفيلاً  باطفاء بعض من الشوق داخلي.

"اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر" هي جملة اعتادت أن تكتبها إحدى صديقاتي على صفحتها الشخصية على الفيسبوك، في البداية لم أكن أدري عن ماذا تتحدث، كيف لنا أن نعشق وطناً يلفظنا خارجه؟ كيف لنا أن نحلم بالمكان وهو يضيق بنا؟ لماذا يجب أن نعشق إلى حد الاختناق؟ ألا يمكننا أن نحب الوطن بسعادة كتلك التي ترافق المحبين؟ لم أستطع أن أجد منطقا في جملتها التي تكررت كثيراً أمامي، حتى جائت اللحظة التي اختنقت فيها حباً ووجعاً وحلماً! بعد ذلك فَهِمْت، وبِتُّ أعتقد أن لا أحد يحب الوطن إلا إذا شعر بالاختناق!

 ولتفهم ما أقوله أكثر: الذي لا يرى وجع الوطن فهو لا يرى الوطن. ومن يمشي في شوارع " رام الله\ العاصمة" الضيقة رغم اتساعها دون أن يشعر بسذاجة فكرة أنه يمشي الآن، فهو واقع في حب الدولة، ولا يدري ما هو الوطن أصلا. من ينظر إلى السماء دون أن يشاهد حزن الأرض، فهو حتما لا يرى بقلبه. من يستنشق النسيم البارد ولا تراوده فكرة أن يتشبث به ويرحل معه، فهو حتماً ليس بعاشق ولن يكون يوماً!

يوجعنا حب الوطن، يوجعنا لإنه لم يعد قادراً على احتضاننا، يوجعنا لإننا لم نعد جدرين بامتلاكه، يوجعننا لإننا أمامه نشعر بضعفنا وعجزنا، يوجعنا لإنه يسلب الجنون منا. ويوجعنا الوطن لإنه ضاق بنا، ووضعنا أمام خيار الرحيل الذي لا نحبه! يا إلهي كم هي مخيفة فكرة الرحيل! مرعبة! لمن سنتركه إن رحلنا؟ وأين سنذهب بأرواحنا المعلقة به؟ من سنكون بعيدين عنه؟

في سرّي أفضل أن أحبه حد الإختناق، وفي سرّي أرغب بالرحيل فلم يعد هنالك ما يكفي من الهواء، وفي سرّي أحبه وألعنه وألعن نفسي التي ضاقت بها البلاد، ألعن قلبي الضعيف الذي لم يعد يقدر على احتمال المزيد، وألعن الحلم والأمل اللذان يتجددان داخلي. ولكن.. هو الوطن يدفعنا للرحيل، يطردنا بعيداً عنه، يسكننا حد الامتلاء، يعاقبنا، ويمنحنا لحظات من الجنون، يهدينا انكساراته، يصيبنا بعدوى الأمل، يزرع فينا الحزن، ويخنقناااا، وأحبه حد الاختناق، وأهتف كلما ضاقت بي سبل العيش هنا "اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر".

ارجع يا نيسان، لا أريد أن أفقدك للأبد، لا أريد لوجهك أن يصبح صامتاً، لا أريد لقلبي أن يقسو عليك أكثر.


صديقتك المختنقة بحب الوطن


Saturday, August 10, 2013

الامل حلم ليس أكثر

عزيزي نيسان

أكتب لك اليوم وأنا أختنق بالحروف التي تصيغ هذه الرسالة، لم تعد تراودني تلك الرغبة الجامحة في الكتابة، ولم أعد أمتلك ما يكفي من القوة للبوح دون الانخراط في مزيج من البكاء والحزن، لست تعيسة كما يبدو لك ولكني تعبت من محاولات أن لا أصل إلى التعاسة. فيما مضى كنت  فتاة كئيبة متشائمة، تتقزز من الأمل، ولربما تحتقر المتفائلين، ترى أن الحياة انتهت، وأن لا جدوى من ادعاء السعادة أو محاولة الوصول إليها. لا أدري أيُّ مسٍّ أصابني فتغيرتُّ بالرغم من أن كل شيء  حولي أصبح أسوأ، لن أقول أنني اصبحت سعيدة أنشر الابتسامات وأزرع الأمل، إلا أنني وبدون شك غدوت فتاة حالمة! 

ياه ما الذي يمكن لفتاة تمتلك حلماً، وتدرك أنها تمتلكه أن تفعل. لا بد أن بمقدورها تغيير العالم من حولها! وأنا لا خيار لي..  إن مات الحلم سأموت معه، سأغادر هذه العلم المجحف، فلا حياة فيه بدون أمل، والأمل حلم ليس أكثر.

لا أتكلم عن الأحلام البلهاء التي تبيعها لنا وسائل الإعلام المزركشة، لا أتكلم عن أحلام الفتيات في قصص الحب ومغامرات الغرام، لا أتخيل شاباً وسيماً وفستاناً أبيضاً، والكثير من الورود الحمراء المبعثرة حول بعض الشموع. ما أتكلم عنه  يا نيسان هو حياة وكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلها، ما يجول بخاطري الآن لا يمكن تدوينه، لا يمكنني اختزاله ببعض الكلمات أو حتى بالكثير منها. لم أبنِ أحلامي هنالك فوق غيمات السماء التي لا بد وأن تبعثرها الرياح، لم أهرب من الواقع ولم أنفصل عنه، ولكني وجدت لنفسي حلماً أعرف أن تحقيقه صعب، أعلم جيداً أنني سأبكي كثيراً بسببه، أن الكثير من الوجع سيرافقني؛ ولكن إن كان لا بد من أن نستمر على هذا الكوكب المقيت فيجب على كل واحد منا أن يجد حلمه الذي سيوصله بالنهاية إلى نفسه.


قالت لي ان بيتنا في تونس سيشبه هذا البيت!ابتسمت، تخيلت البيت ونوافذه، غرفتي المليئة بالكتب وقصاصات الورق المبعثرة، رأيت الطريق الضيق الذي يوصلنا للبيت، رأيت السماء تحتضن القمر الذي طالما حلمت به، رأيتنا نخرج صباحاً من المنزل تصرخ إحدانا على الأخرى لإاننا تأخرنا، رأيتنا نعود للبيت تسبقنا ضحكاتنا وخطواتنا الفرحة، رأيت الحزن والفرح، رأيت النجاحات وبعض الاخفاقات، رأيتني أعيش الجنون بحب لا مثيل له. وها أنا عدت من بيتنا في تونس.. من شاشة الكومبيوتر.. من الصورة التي أرسلَتها صديقتي مبتسمة "بيتنا في تونس رح يشبه هاد :)"، عدت لأكمل الرسالة ولكن الحلم رافقني اليك.

لا أدري يا نيسان أي أمل يمكنه أن ينتشلنا من عمق الوجع، لا أدري أي حلم يمكنه أن يحملنا إلى أنفسنا، ولكن الكثير من الوجع لن يمنعني من أن أحتفظ بالكثير من الابتسامات لي ولمن حولي، الكثير من الوجع يعني أننا ما زلنا على قيد الحياة، ويعني أن الحلم وطن وحياة والكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلهما.

صديقتك الحالمة.

Monday, July 22, 2013

اسمك نيسان

نيسان الذي لا يعرفه أحد غيري 

لم أخبر الكثيرين عنك، لم أجد لذلك ضرورة من قبل، ولكنّي فيما بعد أصبحت مضطرة لمواجهة الكثير من الأسئلة، من أنت؟ ما هو سر اسمك؟ أين ذهبت؟ وكيف رحلت؟ ولماذا لازلت أراسل شخصاً لا أعرف عنه شيئا بعد أن غادر دون أن يترك أثر؟ 
أخبرهم أنك صديقي الذي رحل ولم يترك إلا الغياب، أخبرهم أنه بمقدوري أن أمنح كل هذا الحب لصديق فقط، أخبرهم أنك لم تكن مجنوناً بالقدر الكافي لأحبك!
كنت في البداية أرتبك، تحمر وجنتاي، تختفي عيناي لتبحث عنك  في أسئلتهم، ماذا أقول لهم  وأنا أعلم أنهم يخفون الكثير خلف ضحكاتهم، كيف أخبرهم أن السر في الاسم وحده، الاسم الذي يمتزج فيه  الفرح والحلم والأمل، الاسم الذي يحمل ذلك القدر من التعاسة والخوف والتردد، كيف أخبرهم أن اسمك ربطني بك للأبد، لا يهم ان رحلت أو بقيت بقربي، ولا يهمني ان كنت لي صديقاً أو حبيباً؛ ففي النهاية اسمك نيسان!

في كثير من الأحيان شعورنا بالعجز يجعلنا عاجزين فعلا، وننسى أن بمقدور صوتنا المرتعش أن يهز جدران الخوف المحيطة بنا، هو الصمت فقط ما قد يقتلنا، لن تقتلنا الخيانات، ولن يقتلنا الحزن، لن تميتنا الحوادث الأكثر بؤساً، لن تغيّبنا مشاهد الهزيمة، وحده الصمت كفيل بقتل أرواحنا وسلب وجودنا.

لا أستطيع أن أخبرك بالأفكار التي تدور في رأسي، أنا حتى لا استطيع فهمها! ولا يمكنني أن أصف لك الحالة التي وصلنا إليها في رسالة  واحدة أو حتى في عشر رسائل. كيف لي أن أنقل لك المجهول الذي نعيشه، وحالة اللامبالاة التي أصبحت جزء من اليومي هنُا. قذارة السياسين لن تحتملها أوراقي، بذاءة أفعالهم لن أقدر على صياغتها بكلمات من الحروف التي نعرفها، ولكني مع هذا لا أريد أن أصمت فالصمت عار وهزيمة.
غريبة هي هذه الرسالة، لم أشعر حتى أني اقتربت من السبب الذي دفعني لكتابتها، أظن أن فكرة الكتابة وحدها لم تعد تكفي، وأن البوح لم يعد يحررني من عبئ الكلمات التي لم تقال، ولكني مع هذا سأكتب لك إلى أن تعود.

صديقتك يا نيسان

Saturday, July 13, 2013

# انتفاضة

نيسان،

عندما أصبحت موقنة بأنك لن تعود، أصبح شوقي للكتابة اليك أكبر من شوقي لرؤيتك والحديث معك. ولكني بت أخشى أن أكتب فلا تصلك رسائلي، أن أبوح لك دون أن تعلم أني فعلت، بت أخشى على رسائلي من أن تضل طريقها إليك فتذهب إلى أحد غيرك، بت أخاف أن تحبها أكثر مني، أن تشتاق لها بدلاً من أن تشتاق لي، أن تنتظر وصولها بدلاً من أن تفكر في العودة.

كل هذه المخاوف لا تساوي شيئأ أمام رغبتي في الرحيل، يبدو أن المكان قد ضاق بنا كثيراً، لم يعد يحتمل منا المزيد من البؤس فلفظنا خارج رحمته! في السابق كان أيُّ شيء يمسح عني الحزن ويخرجني من الضياع ويعيدني إلى نفسي. كان يكفيني أن ألمس جذع شجرة أمر عنها كل يوم، لأشعر أنني أنتمي إليها؛ هي التي تنتمي إلى رحم هذه الأرض. وكانت نسمة هواء باردة كفيلة بأن تذكرني أنه لا يمكن أن أختنق ما دمت أستنشق هواء الوطن، هذا الهواء الذي يُخبرنا بقصة كل رائحة نستنشقها إذا أصغينا إليه جيداً.

يحدث أن يصبح الوطن ضيقاً فنعشقه أكثر! ولأننا نخاف عليه منا، من قسوتنا ولا مبالاتنا، ولإننا نخاف على أنفسنا من حُمىً قد تصيبنا إثر عشقنا لمكان لم يعد يتسع لقلوبنا ولهذا القدر من الحب، ومن لوعة قد تحرمنا من أن نكون أنفسنا في المكان الوحيد الذي يمكننا أن نكون فيه "نحن"؛ لهذا تجتاحنا هواجس البقاء ونوبات الرحيل.

عندما رحلتَ لم تلتفت للوراء، ويبدو أنك لا تفكر في العودة أبدا. قل لي كيف هو الرحيل؟ من أنت الآن وكيف تخاطب نفسك؟ ماذا ترى عندما تنظر في المرآة؟ هل ما يزال في عينيك بريق كالذي كان عندما كنت تصمت طويلا لتخرج منك تنهيدة عميقة تنظر بعدها في عيني وتقول:  "الوطن في القلب هون (وتضرب على صدرك بعنف) وما حد بقدر ينتزعه من قلبي، وجع الوطن وجعي".. هل ما زال وجع الوطن وجعك؟ أعرف أن أسئلتي قاسية ولربما غبية، ولكن بقي سؤال واحد لا بد منه، ما الذي حل بقلبك يا نيسان؟ أقلب بدون وطن يمكنه أن ينبض؟!
أجلد نفسي وألومها لإني صمتُّ وتركتك ترحل بدون أن أصرخ في وجهك: "وقف.. والوطن إلي كنت تحكي عنه!!"

قبل قرابة أسبوع وقف شاب يحمل لافتة كتب عليها ( #انتفاضة ) على دوار المنارة في مدينة رام الله، لربما كان يفكر بينه وبين نفسه بجدوى الذي يفعله، وماذا يمكن أن يفعل بدلاً عنه. لاحقاً، بعد أن تحدثت إلى الشاب الذي أثارت فعلته بلبلة في مجتمعنا الذي يبرع في الانتقاد أكثر من أي شيء آخر، قررت أن أحدثك عنه وأصفه لك، وأنقل إليك فكرته ورسالته، لربما تستعيد بعضاً من الذي ضاع منك.

ملثماً بكوفية لا تظهر من وجهه إلا عينان بالرغم من التعب الذي يبدو عليهما، إلا أنهما تشتعلان غضباً وعشقا، ومنتصباً رافعاً رأسه نحو السماء، كان الشاب يستذكر آلاف الشهداء الذين لا يعرفهم، يفكر بمئات الأسرى الذين لا يأتي على ذكرهم أحد (لا بد أن الوطن أصبح ضيقاً عليه أيضاً فأخرج للبحث عن فسحة أمل قبل أن تستولي عليه فكرة الرحيل). لم يدعو بوقفته هذه  إلى اقامة انتفاضة فلسطينية ثالثة، فهو ليس ساذجاً ويعرف جيداً أن الانتفاضة تأتي لوحدها لعنة على الاحتلال؛ ولا تطلب من أحد. كل ما أراده أن تعود روح الانتفاضة إلى الشارع الفلسطيني الذي ينكر حالة الاستعمار الذي يعيشها، أن نخرج في جنازة شهيد لا نعرفه، أن نهتف باسم أسير قبل أن نزفه شهيداً، أن يسكننا الوطن كما نسكنه، أن نخلق أدوات الحرب بأيدنا، أن نطرد اليأس من عقولنا، وندفن الخوف الذي بات يرافقنا، أن نواجه قدرنا بشجاعة بدلأ من أن نهرب منه إليه. 

تحمس كثيرون للفكرة وتداولوها على صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بهم، تبناها آخرون وخرجو بعد يومين ملثمين في مظاهرة على دوار المنارة، توجهو بعدها إلى سجن عوفر العسكري ليترجمو كلمة (#انتفاضة) كما فهموها، (هنالك هم بين قنابل الغاز والحجارة المتطايرة أقرب إلى أنفسهم أكثر من أي مكان آخر)، فيما استسخف آخرون (وهم كثر) الفكرة بل ولعنو صاحبها.

بقي أن أقول لك أن صديقي الملثم أنهى كلامه بابتسامة لا مثيل لها  وقال:  "الإنتفاضة يعني إنك ترجع تتصرف على إنك فلسطيني!"، وأن مشهد الملثم يجوب شوارع مدينة رام الله قد استفز أجهزة ورجالات الأمن الفلسطيني، وأن (#انتفاضة) لم تنتهي بعد فهنالك عدة جولات أخرى، إحداها ستكون أمام محقق المخابرات الفلسطينية يوم الثلاثاء القادم، فصديقنا حصل على تبليغ رسمي يوم أمس!

صديقتك من تؤرقها هواجس البقاء ونوبات الرحيل

Sunday, May 26, 2013

طردنا الجند وطاردنا

نيسان..

مرت أربعة أشهر على غيابك، أشياء كثيرة تغيرت وأخرى بقيت على حالها، أما أنا فلم أعد أعرف ما الذي تغير فيّ وما الذي بقي على حاله، أحتاج الجرأة  لمصارحة نفسي وإعادة اكتشافها من جديد، وأحتاج المزيد من الجرأة لمحاسبتها على الحماقات التي ترتكبها.
 هل ما زلت مهتماً بسماع كل هذا؟ هل بقي في قلبك متسع لأحاديثي الطويلة؟ وهل لديك ما تخبرني به بعد كل هذا الغياب؟! أنا لدي الكثير لأقوله ولم أعد أنتظر منك الرد، أظن أني سأكتفي بالكتابة إليك لعلك تعود يوماً وتخبرني لماذا رحلت!

سأخبرك اليوم عن جدتي.. جدتي التي  لم يبقَ لي من ذكراها إلا دموع  الأم في عينيها، وضحكتها التي يقولون أنها تشبه ضحكتي، أكتب لك اليوم عنها بعد أن نسيت صورتها، لا بد أن وجع الوطن أحياها داخلي.
كنت صغيرة عندما رَحَلت،  لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت أحدهم، فقط شعرت أنني يجب أن أكون حزينة، لا أدري ما الذي يعنيه الحزن لطفلة في السابعة، أذكر فقط أن قلبي كان ضيقاً يومها. جدتي لم تحلم بالكثير، لم يكن لديها الوقت لتحلم، لم تمتلك قطعة من السماء لتنثر عليها نجوم قلبها، أحزنها حزن الأخرين، وأثقلتها جراح الوطن، وقضت وهي تحلم بالطابون والحاكورة والبيدر، وبرؤية ابنها دون أن تحجب  قضبان الأسر تفاصيل وجهه.



شاء القدر أن تنجب جدتي توأماً قبل حرب حزيران (1967) بعشرين يوم، وشاء القدر أن تحمل رضيعيها وتسير بهما من قرية إلى قرية حتى تصل مدينة رام الله، منهكة القلب مفرغة الفؤاد. شاء القدر أن يرافق ذكرى ميلاد أبي وعمي ذكرى اللجوء ومرارة التهجير، وشاء القدر أن تروي جدتي قصة الطابون والحاكورة والبيدر لولديها كل عام في يوم ميلادهما.

 هي لم تكن تنوي الرحيل رغم الشقاء، لم تكن تريد أن تترك القرية ولا الأرض ولا دجاجاتها، لم تكن تريد أن تفوّت موسم الحصاد، لم تتذمر يوماً من العمل في الحقل، لم تكن تنوي مواجهة جدي بكسله وقسوته، لم تفكر يوماً بالصراخ في وجهه "ماذا تفعل أنت غير الجلوس في القهوة طوال اليوم! ماذا سيفيدنا حديثك في السياسة مع رجال القرية من الصباح حتى المساء؟ لماذا يجب أن ننتظر جيوش الآخرين لتحمي بيوتنا يا رجل!"

باختصار في قديم الزمان كان لنا أرض وبيدر، كانت لدينا دجاجات كثر تحبهن جدتي كأولادها، وكان لدى جدي قهوة يجلس فيها طوال اليوم (يعمل)، بينما تنهض جدتي باكراً.. تذهب للأرض.. تعتني بالزرع.. تخاطبه.. وتحنو عليه لينمو.. تعود للبيت.. تعد الطعام.. وتخبز على الطابون لها ولجاراتها اللواتي يحسدنها، لإن في القرية لا يوجد كخبزها؛ لا أحد يعرف سر خبز الطابون ذاك، وحدها جدتي التي كانت تبتسم كلما سألها أحد عن سرها.. وحدها كانت تعلم.

في الخامس من حزيران من العام 1967 اجتاح الجيش الإسرائيلي قرى اللطرون الثلاث (عمواس، يالو، بيت نوبا)، جدتي لم تتخيل يوماً أنها خلقت للرحيل، ولو أنها كانت "رجلاً" لحملت فأساً وحرست القرية ليلاً، ولم تنتظر إذناً من أحد. جدتي البسيطة بطبعها، أرادت أن تحمل معها "الراديو" لتعرف متى ستعود للدار، اقترحت على جدي أن تترك أحد التوأمين عند والده الذي رفض مغادرة القرية، لتتمكن من حمل "الراديو" فهي لن تطيق انتظار موعد العودة كثيراً! لا أدري بماذا كانت تفكر حينها، ولكني على يقين بأن فكرة الضياع ذهبت بها بعيدا، بحيث لم تعد تدري ماذا تفعل.

جدتي وأطفالها السبعة وباقي الأهالي طردوا من القرية، ورحلوا سيراً على الأقدام. كلما توقفوا في مكان قريب أو في محيط القرية، كانت تحملهم آليات الجند وترمي بهم بعيداَ، هكذا حتى وصل بعضهم لحدود الأردن وبعضهم الآخر لمدينة رام الله. لن أصف لك رحلة التهجير ولا قسوة اللجوء، ولا كيف أصبحت الخيمة بيتاً من طوب، ولا كيف بنى جدي منزلاً فيما بعد، لا بد وأن في مخيلتك بعضاً من هذه الصور. النكسة يا نسيان نكبة أخرى، تهجير آخر، نحن لم "ننزح"، لقد طَرَدَنا الجند وطاردنا.

في الخامس عشر من نيسان من العام 1998 قضت جدتي نحبها في مشفى رام الله الحكومي، وهي تهذي باسم والدي الذي كان في السجن حينها، لم تكن تريد من الدنيا شيئاً بعد، إلا أن ترى ولدها وتضمه إلى صدرها، وتنشد له بعضاً من أهازيجها، وتطبع على جبينه قبلة هي الأروع من بين القبل. 

ملاحظة: كل القصة حقيقية، حتى ما أخبرتك به بشأن "الراديو"، وستي اسمها الحجة صفية إم محمد، وكانت زغروتتها الأقوى بين النساء، وضحكتها الأجمل بينهن، وقبل أن تموت بعام واحد تسللت لقريتنا "بيت نوبا" قبلت التراب وعادت تحمل بعضاً منه.

صديقتك التي أورثتها جدتها ضحكتها العالية

Wednesday, May 8, 2013

لم أعرفك لأفقدك

صديقي نيسان،

كنت قد اعتدت على أن أبدأ رسائلي لك باللوم والعتاب لأحملك مسؤولية ما أصابني من شوق أورثني إياه رحيلك، حتى بت أعتقد أن هذا قد أصبح تقليداً مملاً وغير مجدي. ولكني تنبهت إلى أمرٍ لم أكن قد لاحظته من قبل، وهو أنك حتى عندما كنت موجوداً معي هنا، تشاركني تفاصيل حياتي المملة والتي تنتقل بين البهجة والتعاسة كفتاة ترقص على مسرح أنواره مطفأة، كنتَ تحظى بنصيب من اللوم والعتاب في كل مرة تغيب فيها عني، حتى وإن كنتُ أعلم جيداً أن هنالك مبرر مقنع لذلك، لم أكن أقدر على اعادة ترتيب انزعاجي من غيباك، لم أكن أعرف كيف ألقاك بلهفة لا تقتلها مزاجيتي.

هو الخوف، خوفي من أن أفقدك، خوفي من أن لا تكون بقربي عندما أحتاجك، خوفي من ضعفي، وخوفي من جنوني! أنت لم تخلق للغربة يا نيسان وأنا لم أعرفك لأفقدك. مرت الأيام ولم تداوي في داخلي الغياب، بقي مكانك فارغاً، وبقيت أكدس التفاصيل، أخبئها لك، هنالك أشياء لا يمكن للرسائل احتمالها، وهنالك أشياء لا يمكن إلا لعيناي أن تخبرك عنها.

قبل عدة أشهر كنت أقرأ كتاباً لباحثة تونسية، تتناول فيه ثنائية المذكر والمؤنث في الثقافة العربية، من خلال بعض مظاهر عملية البناء الثقافي لهذه الثنائية. لن أتحدث كثيراً باللغة الأكاديمية للباحثة، باختصار حاولت الباحثة في كتابها الكشف عن علاقات السلطة والتراتب المتعلقة بالمذكر والمؤنث في المجتمع، وغيرها من القضايا التي قد لا تروق لك، فلطالما احتد النقاش بيننا حول هذه القضايا وكان ينتهي دوماً بنعتك إياي "بالنسوية المتعصبة"، وها أنا اليوم أعيد لك ما كنت أقوله دائماً: التعصب في مجتمع ينكر عليك حقك بأن تكون، ضرورة من أجل البقاء!
"نحن أيضا لنا حيطان مبكى نلوذ بها فراراً من التّاريخ ومن المصير، ومن هذه الحيطان تصوّراتنا عن المرأة والشّرف، ولنا خرق مقدّسة نتمسّك بها بكلّ ما أوتينا من عنف قداسيّ، ومن هذه الخرق حجاب المرأة. حيطان المبكى والأشياء المعبودة أشعلت وما زالت تشعل الكثير من الحروب وتتسبّب في قتل الكثير من النّفوس، وخرقة الحجاب المقدّسة أدّت وما زالت تؤدّي إلى وأد النّساء: إلى وضعهنّ في وعاء القبر أو البيت أو الحجاب".
(فاطمة المرنيسي، بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث، ص84)

لعلك تجد وقتاً لقراءة الكتاب، ربما في حينها قد تفهم السبب وراء تمسكي بآرائي التي تجدها أنت متعصبة، لست مضطراً لتبنيها، ولكني سأكون سعيدة إذا حاولت فهم منطق وجودها.

صديقتك ..


Sunday, April 14, 2013

ما لم يقله لك من أخبرك بالنتيجة

نيسان

قلت لك يوم قررتَ الذهاب: إن كنت مسكوناً بالرحيل اذهب ولكن اترك لي اسمك وبعضاً من الأمل بموعد لا نملكه.. رحلتَ وكان رحيلك موجعاً، آلمتني الشوارع المسكونة بالذاكرة بالقدر الذي آلمتني فيه صباحات المدينة الخالية منك روحاً وأغنية لم يغنها لي أحد غيرك، وما زلت لا أعرف سرَّ ولعك بها "حبيبي بدو القمر والقمر بعيد والسما عالية ما بطالا الإيد"، تشتاقك فيروز يا نيسان ويشتاقك الوطن الذي نذرت نفسك له يوماً فخذلتك الحياة مراراً، وتركتك الفكرة التي دافعت عنها حد الاستماتة بعد أن خذلتها أنت بدورك، ودفعت بك بعيداً عني وعن فيروزية الصباح والوطن!


لم أكتب لأعاتبك ولكني ما إن كتبت اسمك حتى انسكب ما في قلبي دون إذن مني، كنت قد وعدتك أن أراسلك بشأن انتخابات مجلس الطلبة في جامعتنا، وسيكون من المضحك أن أعلق لك على الانتخابات بعد هذا السيل من البوح! إلا أنني سأحاول أن أنقل لك ما لم يذكره أحدٌ حين أعلنت النتيجة.. ما لم يقله لك من أخبرك أن الشبيبة حصلت على 23 مقعداً وأن الكتلة الإسلامية حصلت على 20 مقعد وأن القطب الطلابي حصد 7 مقاعد هذا العام.

يبدو الفارق بين حماس وفتح هذا العام ضئيلاً وهذا لا يشير إلى شيء ذو قيمة، إلا أنه يخبرنا أن جمهور حماس بدأ ينشط من جديد، فلا خوف اليوم بعد أن تم الاتفاق بشكل رسمي على اقتسام الوطن وبعد أن تمت مأسسة هذا الاتفاق فيما يسمى "المصالحة"، وهنا دعني أسئلك وان كنت تمتلك جواباً أسعفني به: ماذا تعني جملة "نحن نمد يد المصالحة إليكم" لتكون خاتمة جولة تخوين مقرفة تتخللها الشتائم والعبارات الهزلية السخيفة؟ أفهم جيداً أن الفرقاء اتفقوا على اقتسام الوطن، ولكنني لا أفهم كيف وصل طلبة جامعتنا من كلتا الحركتين لهكذا مستوى من الخطاب لا يحترم وجود طالب واحد على الأقل وقف متحمساً ليشاهد ما تمثله "الديمقراطية" وليستمع للدعاية أو للمناظرة الطلابية، أي مبرر وضعه من أبدعوا في الردح لأنفسهم وهم يصرخون ويملؤون الحرم الجامعي ضجيجاً طيلة أيام الانتخابات..


هذه المهزلة لم تمنع الكثير من الطلاب من التصويت لمن صبوا قذارة الساسة الذين منحوا الوطن للعدو بقصد أو بدون قصد فوق رؤسنا طيلة أيام الانتخابات، 23 مقعد لشبيبة تعني أن هنالك من يعبد الحركة السياسية ويكفر بالوطن، وأن توزيع اللحوم وكروت الجوال يأتي بنتيجة، وأننا نحتاج الكثير والكثير لنصل إلى درجة من الوعي كفيلة بتحريرنا، 20 مقعد للكتلة الإسلامية تعني أن الكثيرين أصواتهم بالفعل كانت أمانة استعادها الصندوق في يوم الانتخابات، وأن صواريخ المقاومة التي تغنت بها الكتلة طيلة العام لا بد وأنها أصابت عقول الكثير من الطلاب (مع احترامي للمقاومة وصواريخها)، وأن لا داعي لإن تترفع في خطابك ما دامت الشبيبة هي خصمك فالله غفور رحيم، وأن الطريق إلى الوطن لا تمر عبر حماس، فحماس رصفت الطريق المؤدي إلى السلطة وتحاول شق إلتفافي ليكون قريباً من الوطن!

و7 مقاعد يا نيسان ليست نصراً، من قال لك أنهم يبحثون عن النصر على رفوف مجلس الطلبة، 7 مقاعد تعني أن ما حصلت عليه الشبيبة والكتلة الإسلامية من مقاعد لن تمنحهم شرف احتكار المجلس والتفرد به، تعني أن طلاب العام الدراسي 2013- 2014 سيضيفون مصطلح "التمثيل النسبي" إلى قاموس حياتهم الجامعية، تعني أن احترام عقول الطلبة ومخاطبتها هو احترام لفكرة العمل النقابي الجاد التي أهملتها الكتل المنشغلة بتزين نشاطاتها والتي ما أن تنتهي حتى يزول مفعولها، 7 مقاعد تعني أن هنالك وعي طلابي يستحق منا المزيد من العمل، وتعني أن طريق التغيير لا زال في بدايته، وأن جامعة بيرزيت وحركتها الطلابية تعيش تحدياً حقيقياً يتمثل في قبولها لفكرة التمثيل النسبي والتخلي عن صدى كلمة كالإكتساح.

مهما حاولتُ أن أقف من السياسة على مسافة آمنة تجنبني وجع الوطن فأنا لا أفلح في ذلك، مرهونة قلوبنا للوطن ما دام فينا بعض الأمل، لا تستغرب كلامي فهو ما لم أستطع أن أقوله لك وأن تستعد للرحيل تاركاً قلباً مريضاً بالخذلان، مثقلاً بجراح الوطن، فراغاً من الأمل، أتدري أني لازلت أحتفظ به لك، قلبك الذي رفض أن يرافقك بعد أن أنكرت عليه حقه في أن يحتفظ ببضع نبضات من الأمل.

صديقتك المسكونة بالوطن

Monday, March 25, 2013

فقط لاني أريد أن أكتب

صديقي نيسان،

تتملكني رغبة في الكتابة إليك، ولكني أعجز عن التعبير، وهنالك الكثير أريد أن أبوح به، ولكنه ما أن يخرج من داخلي حتى يتحول إلى جمل غير مترابطة وغير منطقية. أتغير كثيراً من الداخل، وبسرعة تربكني وتخيفني، أفقد جزئاً مني، كل شيء غدا ناقصا، وكل حدث غير مكتمل ومشوه..

لن أعلق على شيء اليوم، وإنما سأسرد لك بعض الأحداث

احتفلت قيادتنا الأمنية بزيارة الرئيس الأمريكي أوباما كما لم يحتفل صاحب عارٍ من قبل.

جاء عيد الأم ومضى ولم استطع أن أقول لأمي كم أعشقها، وأظن أنها الآن غاضبة (كما تغضب الأمهات بسذاجتهنّ المحببة والتي لا مثيل لها) وأنا أعجز عن خلق مبرر لها!

بدأ فصل الربيع، وهذه فرصة لأقول لك أني لا أحب فصل الربيع ولا أرى فيه شيئاً مميزا، إلا أنه يبشرنا بأيام حر مقيتة قادمة.

مرت ذكرى معركة الكرامة وكأنها لم تحصل، ونحن لم نعد نعرف من المعركة حتى اسمها!

سامر العيساوي لا يزال مضرباً عن الطعام، ويأبى إلا أن يكون حرا، وأقسم لك يا نيسان أنه "حرٌ رغم القيد".

أيمن الشراونة الآن في غزة حيث تم "إبعاده" ولن أقول لك إلا أن مشهد عناقه لوالدته دفعني للابتسام طويلاً.

اقتربت انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت، وأعدك أن أراسلك بشأنها، فهي حدث لا بد من التعليق عليه، ليس لأهميته، بل لإني أعلم جيداً أنك تنتظر مني هذا.

لم يبق شيءٌ أخبرك به إلا أن الوحدة شيء متعب يا نسيان، أن تكون مضطراً لمناقشة أمورك مع نفسك، الحديث عن مشاكلك لنفسك، أن تتذكر وتحلم، مع نفسك فقط ولا أحد غيرها. ولا بد أنك لست وحيداً أينما كنت الآن، فأنت لا تطيق قسوة الذاكرة التي دفعتك للرحيل، ولن تسمح لها بأن تغزوك وحيداً.

صديقتك التي لا تطيق الوحدة

Saturday, March 2, 2013

مرة واحدة هي أبداً

عزيزي نيسان، 

لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك اخر مرة، أعذرني فأنا لم أهجرك وحدك وإنما هجرت نفسي أيضاً. تشغلني عنك وعني أمور لا أقدر على تفسيرها، وتتعبني محاولة فهمها ومحاولة الوصول إلى منطق وجودها في رأسي المحشو بالأفكار والمسائل المؤجلة.

"مرة واحدة لا تحسب، مرة واحدة هي أبداً أن لا تسطيع العيش إلا حياة واحدة كـأنك لم تعش البتة"، تستمر هذه العبارة في الحضور في كل مرة أكون مجبرة على اتخاذ قرار ولا تسعفني أي من الأفكار أو النصائح في الوصول إلى أفضل ما يمكنني أن أفعله، أتدري ماذا يعني أن يكون كل شيء هو مرة واحدة؟ مرة واحدة تعني أن خوفنا في كثير من الأحيان مبرر، أن قلقنا اتجاه أنفسنا مقبول، وأن تعاستنا لربما كانت لتكون أكثر لحظاتنا سعادة.. 

هل تفهمني يا نسيان؟ فأنا لا أفهم نفسي عندما أكون في مثل هذه الحالة، أن أكون عاجزة عن التفكير، عاجزة عن مواجهة مخاوفي، استمراري في تأجيل النظر ببعض الأمور الملحة؛ يعني أنني أعجز عن فهم نفسي! 

بعيداً عن كل هذا شاهدت البارحة لقاءً تلفزيونياً مع المناضلة ليلي خالد، تمنيت أن يتوقف الزمن وهي تتحدث، لم يخبو وهج ابتسامتي لحظة واحدة طوال المقابلة، وكنت بين الفينة والأخرى اغمض عيني لعل حديثها يحملني إليها بينما كانت تروي قصتها. لا أبالغ إن قلت لك أني كنت أكرر بعض من كلماتها حتى تبقى عالقة في ذهني ولا أنساها. أصابتني نشوة غريبة وأنا استمع لتفاصيل حديثها مع الضابط البريطاني الذي حقق معها أثناء اعتقالها في لندن بعد عملية خطف طائرة "العال" الإسرائيلية؛ انتهى الجزء الثالث من المقابلة وظلت كل المشاهد التي وصَفَتها ترافقني.

أمضيت باقي الليلة وأنا أحاول أن أفسر لنفسي سرّ الشعور الغريب الذي منحتني إياه ليلى خالد، ألكونها امرأة قامت بخطف طائرة للمرة الثانية؟ لا لا أظن ذلك، لا بد أن حديثها نقلني إلى حالة من التحدي والإصرار، وبطريقة ما بث فيّ جرعة من الأمل. لربما تقول لنفسك الآن أني -وبذات المشاعر الطفولية التي لا تزال ترافقني- قد غصت عميقاً في حلم الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، إلا أنني يا صديقي أؤكد لك أن الأمر يتجاوز مشاعر الحنين المشروعة لزمن لم أعشه، إنهم الأبطال يتوقف الزمن عندما يتحدثون لإنهم كانوا قد شكلوا بعض تفاصيله من قبل، وإن كانت الحياة هي مرة واحدة فمن يصنع لحظة منها يكون كأنه شكلها كلها. 

لا داعي لإن أذكرك بأن الشوق لك يزداد، ولكني بت أخاف عليه أن ينتهي بشكل مفاجئ، فيترك مكانه لامبالاة قد تقتل فيّ الرغبة في الكتابة بشكل نهائي.


صديقتك التي لن تكون إلا مرة واحدة

Friday, February 15, 2013

كسر الصمت، دون ضجيج


الغائب نيسان..

 الوقت لا يمر بسرعة أبداً، بل نحن اللذين نهرول مسرعين عن اللحظات التي نعيشها، ونختصر تفاصيل الحياة الجميلة والمؤلمة ونتجاوز الأمور الصغيرة التي تعطي معنى لكل ما يحصل معنا، فيبدو لنا حينها أن الأيام تجري وتمر بنا دون أن تلقي التحية وتتركنا دون أن تودعنا.

كيف يمر الوقت على الأسرى المضربين عن الطعام؟ وما هي التفاصيل التي تخيط أيامهم؟ ماذا هنالك غير الجوع والتعب؟ وهل هنالك فعلاً شعور بالجوع والتعب دون غيرهما؟ هل تتوقف كل اللحظات عند لحظة شعورهم بالتحدي فتمضي الأيام حولهم وهم لا يزالون هنالك محاطون بصمودهم، ونحن لا نزال هنا مكفنين بصمتنا

لم أقل لك يا نيسان أننا قررنا أن نخرج عن صمتنا بشكل مفاجئ، لا أدري ما الذي حصل وماذا كنا ننتظر وما الذي دفع الجموع لأن تنتفض، ولكنها انتفضت وقررت بأن اليوم الجمعة هو "جمعة كسر الصمت". وكلٌ قد كسر صمته بطريقته، فهنالك من خرج اليوم ليبني لنفسه "صومعة" جديدة وعاد إليها، وهنالك من خرج اليوم ليعود بضمير خالٍ من الصراخ الذي لا بد أنه دام مئتي يوم أو أكثر، وهنالك من خرج ليقول لنا أن حلم الأسرى بالحرية سيتحقق وأنه بعصا سحرية لا يمتلكها سيحققه لهم

ولإنهم اليوم موضوع كل شيء قلت لنفسي لماذا لا أخبرك عنهم! أغضبني التخاذل للحد الذي بت أستهجن فيه هبّة الجماهير، فلماذ الآن وماذا كنتم تنتظرون؟ هنالك من لم يعرف الصمت أبداً منذ آخر إضراب عن الطعام خاضه أسرانا في سجون الاحتلال؛ فظل يبعثر الهدوء الذي منحه الآخرون "منا" للعدو الذي أجبر سامر وأيمن ورففاقهما على خوض معركة كاللتي يخوضونها اليوم. وهنالك من يحلو له صمتنا فيعزف على وقعه أغنية لحملته الانتخابية فكما تعلم أن انتخابات (إعادة توزيع ما تبقى من الوطن) قد اقتربت. هنالك من يجمع الناس للصلاة في مكان عام لإلقاء الخطب والكلمات والإستماع إلى وعود من لا يمتلكون تحيق الوعود، وهنالك من قرر أن يصرخ اليوم بصوت أعلى من على منبر الجمعة ولن أقول لعل صوته يفعل شيئا فهو بالتأكد لن يفعل، وهنالك من لم يرضى بأقل من المواجهة، وشبابنا أمام سجن عوفر وفي نقاط التماس الأخرى كفو ووفو وما قصرو

يؤلمني ما نعيشه من تخبط، وعلى الصعيد الشخصي لست أقل تخبطاً فأنا ولنفس السبب الذي تعلمه جيداً عاجزة عن التفكير، عاجزة عن تخطي الكثير من التفاصيل المزعجة، ابعث لي بشيء يسرني أخبرني أنك لن تظل غائباً فالربما أصبح أفضل


صديقتك، من يزعجها الصمت



Sunday, February 10, 2013

يضيق كل شيء، فنحتفل بالموت

نيسان..


كان ردك ملفتاً ولكنه لم يدفعني للكتابة ثانية، إلا أن بعضاً من الملل دعاني لأخاطبك اليوم.
كل شيء أصبح ضيقا، حتى السماء أصبحت ضيقة على نفسها! لم تعد تتسع لأحلامنا ولا لأمنياتنا التي نرسلها بالسر ليلاً، لم تعد تبعث فينا الفرح والأمل، ويبدو أنها لم تعد تملكهما. هل الرغبة في الكتابة هي رغبة في قتل شيء ما داخلنا أم أنها رغبة منا لإبقائه حياً للأبد وملاصقاً لنا أينما حللنا، أأكتب لك لأني أخشى فقدانك، أم أني أعرف جيداً أنني خسرتك فأكتب حتى أبعثر ما تبقى منك داخلي وأنثره من خلال رسائلي حتى لا يبقى منه شيئا؟

دعك من هذا الكلام الآن، وأخبرني: ما هي المشكلة في أن نفهم أنفسنا كمجتمع مستعمَر وأفراد يتعرضون في البداية وقبل كل شيء لقهر المستعمِر؟
قبل يومين فقط سألت نفسي، لماذا لا نحتفل بالأبطال إلا في حال موتهم، ولماذا لا نغضب ولا نحزن إلا لمن يُقتلون، أتعلم أننا بهذا نقتل الأحياء ونمشي في جنائزهم كل يوم، أكان يجب على الأسرى أن يتحولوا إلى مشروع شهداء لنشعر بعظمتهم، وهل يجب على شابٍ شغف بقهر الصمت عبر رمي الحجارة (صابت أو لم تصب فالمهم أن تخترق صفحة السماء أمام الجنود فتعكر صمتها) أيجب عليه أن يستشهد لنذكره ونفخر به شهيدا؟

لا أظن أن الموت يستهوينا إلى هذا الحد، ولكن يبدو أن قلوبنا أصبحت ضيقة كما السماء ولا تتسع إلا لقدرٍ من الحزن أو الغضب أو الفخر، يمر بنا زائراً أو قد لا يفعل، ويترك فينا أثره وقد لا يترك وفي كلتا الحالتين فهو يرحل.
لا تسألني ما الذي أصابني، فصدقني أنا لا أعلم، وإن تأخرت في مراسلتك فاعلم أني أكتب ولا أجرؤ على ارسال كل ما أكتبه


صديقتك بمزاجها المتقلب كما عهدتها دوماً

Saturday, February 2, 2013

الجمعة، صباحاً

صديقي العزيز نيسان

أفضِّلُ أن أجد المبررات لتجاهلك المتواصل على أن أترك الحزن يجتاحني فأتوقف عن الكتابة لك، ولهذا بت أعتقد أنك تكتب لي الردود على رسائلي ولسبب أجهله تماماً لا تصلني رسائلك، وأنها ستصلني ذات يوم دفعة واحدة فأنشغل بقرائتها وأنفرد بها وأتلوها على نفسي بصوت مرتفع، ولربما أنسى حينها أن أكتب لك فأرد لك بعضاً من تجاهلك بغير قصد

لماذا صباحات الجمعة هكذا؟ تحمل من الكآبة ما لا يجب أن تحمله، لا بد أن الجو الممطر ترك أثره على هذا الصباح فبدى حزيناً كما لو أنه فقد عزيزاً. قبل عدة سنوات مضت كنت أنتظر سماع خطبة الجمعة متشوقة لأعرف موضوعها، وأتوقف عند القصص الغريبة التي يرويها خطيب المسجد، كانت تدهشني أحاديثه باستمرار. أكنت ساذجة حينها؟ أم أن خطيب الجمعة كان يتحدث فعلاً بما يستحق مني كل هذا الإهتمام؟ اليوم، لا أسمع خطب الجمعة إلا صدفة ولا أحتمل الإستماع لأكثر من دقيقتين، وفي كثير من الأحيان تجدني أمسك قلما وورقة وأدون ملاحظات حول ما يقول الخطيب وأبدأ بتحليل نبرة صوته وطريقته في الإلقاء، هذا بلا شك مما أورثتني إياه ثلاث سنوات من دراسة علم الإجتماع. قل لي.. عندما يبدأ خطيب السلطة بالصراخ متحدثاً عن فساد حكومة غزة وسرقتها للأموال العامة، وعندما تتحول خطبة الجمعة عند خطيب حكومة غزة لفرصة لردّ الردح بالردح، ويُفرض على باقي الخطباء الذهاب بعيداً في أي قضية لا صلة لها بالواقع، فلماذا يجب ان تبقى خطبة الجمعة قائمة أصلاً وهي على هذا الحال؟

 ياه لقد مرت السنوات مسرعة، تعلم أني سأنهي فصلي الأخير في الجامعة وها أنا أبدأ بمشروع التخرج، ويبدو أن هذا الفصل الدراسي سيمر سريعاً. بعد كل هذه السنوات ألا تشعر بالغياب يجتاحك يا نيسان؟ أتعلم أنني أعشق الكتابة لك بقدر ما أنا مشتاقة لسماع صوتك؟
لا أعلم متى سأراك ولكني كلما مر وقت أكثر أشعر بموعد اللقاء يقترب، ولكنه يبقى كالحلم.

 صديقتك التي لن تمل من انتظار الرد 

Wednesday, January 30, 2013

مش مؤامرة

صديقي العزيز نيسان،

عندما أذكر أمام أصدقائي أن لي صديقاً اسمه نيسان يضحكون، وقليل منهم يبتسم. أنا بخير، ولا جديد بشأني يستحق الذكر. أشتاق إليك كما في كل مرة، وعبثاً أحاول البوح بما يجول في خاطري لغيرك، وإن نجحت في مواصلة الكلام مع أحدهم، فأنا لا أنجح أبداً في الوصول إلى ذلك الرضى الذي يرافق البوح بما يثقل النفس.

أشعر بالعجز يا صديقي، وأشعر بأن كل شيء قد تآمر ضد كل شي، ها أنت تضحك الآن حتى وأنت تعرف جيداً أني لست من أصحاب نظرية المؤامرة!

البارحة كنت في مؤتمر شعبي لنصرة الأسرى في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ضم مجموعة كبيرة من الشخصيات الوطنية البائسة التي تعشق اعتلاء المنصات وإلقاء الخطب المملة التي تتشابه حد التطابق في كل مرة، وعدد هائل من عدسات المصورين، أظن أنهم إحتلوا نصف مساحة القاعة. ولكني لم أكتب لأحدثك عن هؤلاء، ففي القاعة المكتظة أيضاً جلست مجموعة من أمهات الأسرى وذويهم يحملون صور أبنائهم وحزنهم وصمتهم، ويبدو أن حديث "أهل الشأن" -الذين لا شأن لهم بقيضة الأسرى إلا الظهور أمام شاشات التلفاز للتباكي حول "خطورة الوضع"- يبدو أنه أرهق قلوب الأمهات المعلقة على مقربة من زنازين أولادهنّ، فقامت اثنتين منهنّ وقاطعنَّ أحد المتحدثين، والذي كان يتلو توصيات المؤتمر، وبدأنَّ بالصراخ والشتم و"البهدلة"، ولم يشأ صاحب التوصيات أن يصمت فظل يردد كلامه وبصوت أعلى، وأمسك المايكرفون في يده ضاغطاً علَّ الضغط عليه يخفي صوت النسوة التي بدأت تتعالى، لم تتركنَّ مسؤولاً ولا وزيراً إلا سببنه ودعينَّ عليه، وصرنَّ يجلنَّ في القاعة حاملات صور أبنائهن مواصلات الصراخ. 

وأنا يا صديقي أخذني الموقف، ولم أعد أفهم شيئاً مما يحدث، فخرجت من القاعة، ومشيت إلى الخارج ترافقني وقاحة صوت الرجل المرتبك ممزوجاً بصراخ النسوة وبلبلات الحضور.

أشعر بالعجز لإن لا شيء مما نفعله مجدي، ولأننا لا نقوم بشيء أصلاً، ففي الفترة الأخيرة يبدو أن موسم الإعتصامات التضامنية مع الأسرى مؤجل أو لم يحن بعد، لا أدري!


ملاحظة: سامر لا يزال صامداً ولا يأبه لتخاذلنا، "وصارله مضرب189 يوم".

صديقتك التي يزعجها أن لا تكتب إليك