Sunday, May 26, 2013

طردنا الجند وطاردنا

نيسان..

مرت أربعة أشهر على غيابك، أشياء كثيرة تغيرت وأخرى بقيت على حالها، أما أنا فلم أعد أعرف ما الذي تغير فيّ وما الذي بقي على حاله، أحتاج الجرأة  لمصارحة نفسي وإعادة اكتشافها من جديد، وأحتاج المزيد من الجرأة لمحاسبتها على الحماقات التي ترتكبها.
 هل ما زلت مهتماً بسماع كل هذا؟ هل بقي في قلبك متسع لأحاديثي الطويلة؟ وهل لديك ما تخبرني به بعد كل هذا الغياب؟! أنا لدي الكثير لأقوله ولم أعد أنتظر منك الرد، أظن أني سأكتفي بالكتابة إليك لعلك تعود يوماً وتخبرني لماذا رحلت!

سأخبرك اليوم عن جدتي.. جدتي التي  لم يبقَ لي من ذكراها إلا دموع  الأم في عينيها، وضحكتها التي يقولون أنها تشبه ضحكتي، أكتب لك اليوم عنها بعد أن نسيت صورتها، لا بد أن وجع الوطن أحياها داخلي.
كنت صغيرة عندما رَحَلت،  لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت أحدهم، فقط شعرت أنني يجب أن أكون حزينة، لا أدري ما الذي يعنيه الحزن لطفلة في السابعة، أذكر فقط أن قلبي كان ضيقاً يومها. جدتي لم تحلم بالكثير، لم يكن لديها الوقت لتحلم، لم تمتلك قطعة من السماء لتنثر عليها نجوم قلبها، أحزنها حزن الأخرين، وأثقلتها جراح الوطن، وقضت وهي تحلم بالطابون والحاكورة والبيدر، وبرؤية ابنها دون أن تحجب  قضبان الأسر تفاصيل وجهه.



شاء القدر أن تنجب جدتي توأماً قبل حرب حزيران (1967) بعشرين يوم، وشاء القدر أن تحمل رضيعيها وتسير بهما من قرية إلى قرية حتى تصل مدينة رام الله، منهكة القلب مفرغة الفؤاد. شاء القدر أن يرافق ذكرى ميلاد أبي وعمي ذكرى اللجوء ومرارة التهجير، وشاء القدر أن تروي جدتي قصة الطابون والحاكورة والبيدر لولديها كل عام في يوم ميلادهما.

 هي لم تكن تنوي الرحيل رغم الشقاء، لم تكن تريد أن تترك القرية ولا الأرض ولا دجاجاتها، لم تكن تريد أن تفوّت موسم الحصاد، لم تتذمر يوماً من العمل في الحقل، لم تكن تنوي مواجهة جدي بكسله وقسوته، لم تفكر يوماً بالصراخ في وجهه "ماذا تفعل أنت غير الجلوس في القهوة طوال اليوم! ماذا سيفيدنا حديثك في السياسة مع رجال القرية من الصباح حتى المساء؟ لماذا يجب أن ننتظر جيوش الآخرين لتحمي بيوتنا يا رجل!"

باختصار في قديم الزمان كان لنا أرض وبيدر، كانت لدينا دجاجات كثر تحبهن جدتي كأولادها، وكان لدى جدي قهوة يجلس فيها طوال اليوم (يعمل)، بينما تنهض جدتي باكراً.. تذهب للأرض.. تعتني بالزرع.. تخاطبه.. وتحنو عليه لينمو.. تعود للبيت.. تعد الطعام.. وتخبز على الطابون لها ولجاراتها اللواتي يحسدنها، لإن في القرية لا يوجد كخبزها؛ لا أحد يعرف سر خبز الطابون ذاك، وحدها جدتي التي كانت تبتسم كلما سألها أحد عن سرها.. وحدها كانت تعلم.

في الخامس من حزيران من العام 1967 اجتاح الجيش الإسرائيلي قرى اللطرون الثلاث (عمواس، يالو، بيت نوبا)، جدتي لم تتخيل يوماً أنها خلقت للرحيل، ولو أنها كانت "رجلاً" لحملت فأساً وحرست القرية ليلاً، ولم تنتظر إذناً من أحد. جدتي البسيطة بطبعها، أرادت أن تحمل معها "الراديو" لتعرف متى ستعود للدار، اقترحت على جدي أن تترك أحد التوأمين عند والده الذي رفض مغادرة القرية، لتتمكن من حمل "الراديو" فهي لن تطيق انتظار موعد العودة كثيراً! لا أدري بماذا كانت تفكر حينها، ولكني على يقين بأن فكرة الضياع ذهبت بها بعيدا، بحيث لم تعد تدري ماذا تفعل.

جدتي وأطفالها السبعة وباقي الأهالي طردوا من القرية، ورحلوا سيراً على الأقدام. كلما توقفوا في مكان قريب أو في محيط القرية، كانت تحملهم آليات الجند وترمي بهم بعيداَ، هكذا حتى وصل بعضهم لحدود الأردن وبعضهم الآخر لمدينة رام الله. لن أصف لك رحلة التهجير ولا قسوة اللجوء، ولا كيف أصبحت الخيمة بيتاً من طوب، ولا كيف بنى جدي منزلاً فيما بعد، لا بد وأن في مخيلتك بعضاً من هذه الصور. النكسة يا نسيان نكبة أخرى، تهجير آخر، نحن لم "ننزح"، لقد طَرَدَنا الجند وطاردنا.

في الخامس عشر من نيسان من العام 1998 قضت جدتي نحبها في مشفى رام الله الحكومي، وهي تهذي باسم والدي الذي كان في السجن حينها، لم تكن تريد من الدنيا شيئاً بعد، إلا أن ترى ولدها وتضمه إلى صدرها، وتنشد له بعضاً من أهازيجها، وتطبع على جبينه قبلة هي الأروع من بين القبل. 

ملاحظة: كل القصة حقيقية، حتى ما أخبرتك به بشأن "الراديو"، وستي اسمها الحجة صفية إم محمد، وكانت زغروتتها الأقوى بين النساء، وضحكتها الأجمل بينهن، وقبل أن تموت بعام واحد تسللت لقريتنا "بيت نوبا" قبلت التراب وعادت تحمل بعضاً منه.

صديقتك التي أورثتها جدتها ضحكتها العالية

Wednesday, May 8, 2013

لم أعرفك لأفقدك

صديقي نيسان،

كنت قد اعتدت على أن أبدأ رسائلي لك باللوم والعتاب لأحملك مسؤولية ما أصابني من شوق أورثني إياه رحيلك، حتى بت أعتقد أن هذا قد أصبح تقليداً مملاً وغير مجدي. ولكني تنبهت إلى أمرٍ لم أكن قد لاحظته من قبل، وهو أنك حتى عندما كنت موجوداً معي هنا، تشاركني تفاصيل حياتي المملة والتي تنتقل بين البهجة والتعاسة كفتاة ترقص على مسرح أنواره مطفأة، كنتَ تحظى بنصيب من اللوم والعتاب في كل مرة تغيب فيها عني، حتى وإن كنتُ أعلم جيداً أن هنالك مبرر مقنع لذلك، لم أكن أقدر على اعادة ترتيب انزعاجي من غيباك، لم أكن أعرف كيف ألقاك بلهفة لا تقتلها مزاجيتي.

هو الخوف، خوفي من أن أفقدك، خوفي من أن لا تكون بقربي عندما أحتاجك، خوفي من ضعفي، وخوفي من جنوني! أنت لم تخلق للغربة يا نيسان وأنا لم أعرفك لأفقدك. مرت الأيام ولم تداوي في داخلي الغياب، بقي مكانك فارغاً، وبقيت أكدس التفاصيل، أخبئها لك، هنالك أشياء لا يمكن للرسائل احتمالها، وهنالك أشياء لا يمكن إلا لعيناي أن تخبرك عنها.

قبل عدة أشهر كنت أقرأ كتاباً لباحثة تونسية، تتناول فيه ثنائية المذكر والمؤنث في الثقافة العربية، من خلال بعض مظاهر عملية البناء الثقافي لهذه الثنائية. لن أتحدث كثيراً باللغة الأكاديمية للباحثة، باختصار حاولت الباحثة في كتابها الكشف عن علاقات السلطة والتراتب المتعلقة بالمذكر والمؤنث في المجتمع، وغيرها من القضايا التي قد لا تروق لك، فلطالما احتد النقاش بيننا حول هذه القضايا وكان ينتهي دوماً بنعتك إياي "بالنسوية المتعصبة"، وها أنا اليوم أعيد لك ما كنت أقوله دائماً: التعصب في مجتمع ينكر عليك حقك بأن تكون، ضرورة من أجل البقاء!
"نحن أيضا لنا حيطان مبكى نلوذ بها فراراً من التّاريخ ومن المصير، ومن هذه الحيطان تصوّراتنا عن المرأة والشّرف، ولنا خرق مقدّسة نتمسّك بها بكلّ ما أوتينا من عنف قداسيّ، ومن هذه الخرق حجاب المرأة. حيطان المبكى والأشياء المعبودة أشعلت وما زالت تشعل الكثير من الحروب وتتسبّب في قتل الكثير من النّفوس، وخرقة الحجاب المقدّسة أدّت وما زالت تؤدّي إلى وأد النّساء: إلى وضعهنّ في وعاء القبر أو البيت أو الحجاب".
(فاطمة المرنيسي، بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث، ص84)

لعلك تجد وقتاً لقراءة الكتاب، ربما في حينها قد تفهم السبب وراء تمسكي بآرائي التي تجدها أنت متعصبة، لست مضطراً لتبنيها، ولكني سأكون سعيدة إذا حاولت فهم منطق وجودها.

صديقتك ..


Sunday, April 14, 2013

ما لم يقله لك من أخبرك بالنتيجة

نيسان

قلت لك يوم قررتَ الذهاب: إن كنت مسكوناً بالرحيل اذهب ولكن اترك لي اسمك وبعضاً من الأمل بموعد لا نملكه.. رحلتَ وكان رحيلك موجعاً، آلمتني الشوارع المسكونة بالذاكرة بالقدر الذي آلمتني فيه صباحات المدينة الخالية منك روحاً وأغنية لم يغنها لي أحد غيرك، وما زلت لا أعرف سرَّ ولعك بها "حبيبي بدو القمر والقمر بعيد والسما عالية ما بطالا الإيد"، تشتاقك فيروز يا نيسان ويشتاقك الوطن الذي نذرت نفسك له يوماً فخذلتك الحياة مراراً، وتركتك الفكرة التي دافعت عنها حد الاستماتة بعد أن خذلتها أنت بدورك، ودفعت بك بعيداً عني وعن فيروزية الصباح والوطن!


لم أكتب لأعاتبك ولكني ما إن كتبت اسمك حتى انسكب ما في قلبي دون إذن مني، كنت قد وعدتك أن أراسلك بشأن انتخابات مجلس الطلبة في جامعتنا، وسيكون من المضحك أن أعلق لك على الانتخابات بعد هذا السيل من البوح! إلا أنني سأحاول أن أنقل لك ما لم يذكره أحدٌ حين أعلنت النتيجة.. ما لم يقله لك من أخبرك أن الشبيبة حصلت على 23 مقعداً وأن الكتلة الإسلامية حصلت على 20 مقعد وأن القطب الطلابي حصد 7 مقاعد هذا العام.

يبدو الفارق بين حماس وفتح هذا العام ضئيلاً وهذا لا يشير إلى شيء ذو قيمة، إلا أنه يخبرنا أن جمهور حماس بدأ ينشط من جديد، فلا خوف اليوم بعد أن تم الاتفاق بشكل رسمي على اقتسام الوطن وبعد أن تمت مأسسة هذا الاتفاق فيما يسمى "المصالحة"، وهنا دعني أسئلك وان كنت تمتلك جواباً أسعفني به: ماذا تعني جملة "نحن نمد يد المصالحة إليكم" لتكون خاتمة جولة تخوين مقرفة تتخللها الشتائم والعبارات الهزلية السخيفة؟ أفهم جيداً أن الفرقاء اتفقوا على اقتسام الوطن، ولكنني لا أفهم كيف وصل طلبة جامعتنا من كلتا الحركتين لهكذا مستوى من الخطاب لا يحترم وجود طالب واحد على الأقل وقف متحمساً ليشاهد ما تمثله "الديمقراطية" وليستمع للدعاية أو للمناظرة الطلابية، أي مبرر وضعه من أبدعوا في الردح لأنفسهم وهم يصرخون ويملؤون الحرم الجامعي ضجيجاً طيلة أيام الانتخابات..


هذه المهزلة لم تمنع الكثير من الطلاب من التصويت لمن صبوا قذارة الساسة الذين منحوا الوطن للعدو بقصد أو بدون قصد فوق رؤسنا طيلة أيام الانتخابات، 23 مقعد لشبيبة تعني أن هنالك من يعبد الحركة السياسية ويكفر بالوطن، وأن توزيع اللحوم وكروت الجوال يأتي بنتيجة، وأننا نحتاج الكثير والكثير لنصل إلى درجة من الوعي كفيلة بتحريرنا، 20 مقعد للكتلة الإسلامية تعني أن الكثيرين أصواتهم بالفعل كانت أمانة استعادها الصندوق في يوم الانتخابات، وأن صواريخ المقاومة التي تغنت بها الكتلة طيلة العام لا بد وأنها أصابت عقول الكثير من الطلاب (مع احترامي للمقاومة وصواريخها)، وأن لا داعي لإن تترفع في خطابك ما دامت الشبيبة هي خصمك فالله غفور رحيم، وأن الطريق إلى الوطن لا تمر عبر حماس، فحماس رصفت الطريق المؤدي إلى السلطة وتحاول شق إلتفافي ليكون قريباً من الوطن!

و7 مقاعد يا نيسان ليست نصراً، من قال لك أنهم يبحثون عن النصر على رفوف مجلس الطلبة، 7 مقاعد تعني أن ما حصلت عليه الشبيبة والكتلة الإسلامية من مقاعد لن تمنحهم شرف احتكار المجلس والتفرد به، تعني أن طلاب العام الدراسي 2013- 2014 سيضيفون مصطلح "التمثيل النسبي" إلى قاموس حياتهم الجامعية، تعني أن احترام عقول الطلبة ومخاطبتها هو احترام لفكرة العمل النقابي الجاد التي أهملتها الكتل المنشغلة بتزين نشاطاتها والتي ما أن تنتهي حتى يزول مفعولها، 7 مقاعد تعني أن هنالك وعي طلابي يستحق منا المزيد من العمل، وتعني أن طريق التغيير لا زال في بدايته، وأن جامعة بيرزيت وحركتها الطلابية تعيش تحدياً حقيقياً يتمثل في قبولها لفكرة التمثيل النسبي والتخلي عن صدى كلمة كالإكتساح.

مهما حاولتُ أن أقف من السياسة على مسافة آمنة تجنبني وجع الوطن فأنا لا أفلح في ذلك، مرهونة قلوبنا للوطن ما دام فينا بعض الأمل، لا تستغرب كلامي فهو ما لم أستطع أن أقوله لك وأن تستعد للرحيل تاركاً قلباً مريضاً بالخذلان، مثقلاً بجراح الوطن، فراغاً من الأمل، أتدري أني لازلت أحتفظ به لك، قلبك الذي رفض أن يرافقك بعد أن أنكرت عليه حقه في أن يحتفظ ببضع نبضات من الأمل.

صديقتك المسكونة بالوطن

Monday, March 25, 2013

فقط لاني أريد أن أكتب

صديقي نيسان،

تتملكني رغبة في الكتابة إليك، ولكني أعجز عن التعبير، وهنالك الكثير أريد أن أبوح به، ولكنه ما أن يخرج من داخلي حتى يتحول إلى جمل غير مترابطة وغير منطقية. أتغير كثيراً من الداخل، وبسرعة تربكني وتخيفني، أفقد جزئاً مني، كل شيء غدا ناقصا، وكل حدث غير مكتمل ومشوه..

لن أعلق على شيء اليوم، وإنما سأسرد لك بعض الأحداث

احتفلت قيادتنا الأمنية بزيارة الرئيس الأمريكي أوباما كما لم يحتفل صاحب عارٍ من قبل.

جاء عيد الأم ومضى ولم استطع أن أقول لأمي كم أعشقها، وأظن أنها الآن غاضبة (كما تغضب الأمهات بسذاجتهنّ المحببة والتي لا مثيل لها) وأنا أعجز عن خلق مبرر لها!

بدأ فصل الربيع، وهذه فرصة لأقول لك أني لا أحب فصل الربيع ولا أرى فيه شيئاً مميزا، إلا أنه يبشرنا بأيام حر مقيتة قادمة.

مرت ذكرى معركة الكرامة وكأنها لم تحصل، ونحن لم نعد نعرف من المعركة حتى اسمها!

سامر العيساوي لا يزال مضرباً عن الطعام، ويأبى إلا أن يكون حرا، وأقسم لك يا نيسان أنه "حرٌ رغم القيد".

أيمن الشراونة الآن في غزة حيث تم "إبعاده" ولن أقول لك إلا أن مشهد عناقه لوالدته دفعني للابتسام طويلاً.

اقتربت انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت، وأعدك أن أراسلك بشأنها، فهي حدث لا بد من التعليق عليه، ليس لأهميته، بل لإني أعلم جيداً أنك تنتظر مني هذا.

لم يبق شيءٌ أخبرك به إلا أن الوحدة شيء متعب يا نسيان، أن تكون مضطراً لمناقشة أمورك مع نفسك، الحديث عن مشاكلك لنفسك، أن تتذكر وتحلم، مع نفسك فقط ولا أحد غيرها. ولا بد أنك لست وحيداً أينما كنت الآن، فأنت لا تطيق قسوة الذاكرة التي دفعتك للرحيل، ولن تسمح لها بأن تغزوك وحيداً.

صديقتك التي لا تطيق الوحدة

Saturday, March 2, 2013

مرة واحدة هي أبداً

عزيزي نيسان، 

لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك اخر مرة، أعذرني فأنا لم أهجرك وحدك وإنما هجرت نفسي أيضاً. تشغلني عنك وعني أمور لا أقدر على تفسيرها، وتتعبني محاولة فهمها ومحاولة الوصول إلى منطق وجودها في رأسي المحشو بالأفكار والمسائل المؤجلة.

"مرة واحدة لا تحسب، مرة واحدة هي أبداً أن لا تسطيع العيش إلا حياة واحدة كـأنك لم تعش البتة"، تستمر هذه العبارة في الحضور في كل مرة أكون مجبرة على اتخاذ قرار ولا تسعفني أي من الأفكار أو النصائح في الوصول إلى أفضل ما يمكنني أن أفعله، أتدري ماذا يعني أن يكون كل شيء هو مرة واحدة؟ مرة واحدة تعني أن خوفنا في كثير من الأحيان مبرر، أن قلقنا اتجاه أنفسنا مقبول، وأن تعاستنا لربما كانت لتكون أكثر لحظاتنا سعادة.. 

هل تفهمني يا نسيان؟ فأنا لا أفهم نفسي عندما أكون في مثل هذه الحالة، أن أكون عاجزة عن التفكير، عاجزة عن مواجهة مخاوفي، استمراري في تأجيل النظر ببعض الأمور الملحة؛ يعني أنني أعجز عن فهم نفسي! 

بعيداً عن كل هذا شاهدت البارحة لقاءً تلفزيونياً مع المناضلة ليلي خالد، تمنيت أن يتوقف الزمن وهي تتحدث، لم يخبو وهج ابتسامتي لحظة واحدة طوال المقابلة، وكنت بين الفينة والأخرى اغمض عيني لعل حديثها يحملني إليها بينما كانت تروي قصتها. لا أبالغ إن قلت لك أني كنت أكرر بعض من كلماتها حتى تبقى عالقة في ذهني ولا أنساها. أصابتني نشوة غريبة وأنا استمع لتفاصيل حديثها مع الضابط البريطاني الذي حقق معها أثناء اعتقالها في لندن بعد عملية خطف طائرة "العال" الإسرائيلية؛ انتهى الجزء الثالث من المقابلة وظلت كل المشاهد التي وصَفَتها ترافقني.

أمضيت باقي الليلة وأنا أحاول أن أفسر لنفسي سرّ الشعور الغريب الذي منحتني إياه ليلى خالد، ألكونها امرأة قامت بخطف طائرة للمرة الثانية؟ لا لا أظن ذلك، لا بد أن حديثها نقلني إلى حالة من التحدي والإصرار، وبطريقة ما بث فيّ جرعة من الأمل. لربما تقول لنفسك الآن أني -وبذات المشاعر الطفولية التي لا تزال ترافقني- قد غصت عميقاً في حلم الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، إلا أنني يا صديقي أؤكد لك أن الأمر يتجاوز مشاعر الحنين المشروعة لزمن لم أعشه، إنهم الأبطال يتوقف الزمن عندما يتحدثون لإنهم كانوا قد شكلوا بعض تفاصيله من قبل، وإن كانت الحياة هي مرة واحدة فمن يصنع لحظة منها يكون كأنه شكلها كلها. 

لا داعي لإن أذكرك بأن الشوق لك يزداد، ولكني بت أخاف عليه أن ينتهي بشكل مفاجئ، فيترك مكانه لامبالاة قد تقتل فيّ الرغبة في الكتابة بشكل نهائي.


صديقتك التي لن تكون إلا مرة واحدة

Friday, February 15, 2013

كسر الصمت، دون ضجيج


الغائب نيسان..

 الوقت لا يمر بسرعة أبداً، بل نحن اللذين نهرول مسرعين عن اللحظات التي نعيشها، ونختصر تفاصيل الحياة الجميلة والمؤلمة ونتجاوز الأمور الصغيرة التي تعطي معنى لكل ما يحصل معنا، فيبدو لنا حينها أن الأيام تجري وتمر بنا دون أن تلقي التحية وتتركنا دون أن تودعنا.

كيف يمر الوقت على الأسرى المضربين عن الطعام؟ وما هي التفاصيل التي تخيط أيامهم؟ ماذا هنالك غير الجوع والتعب؟ وهل هنالك فعلاً شعور بالجوع والتعب دون غيرهما؟ هل تتوقف كل اللحظات عند لحظة شعورهم بالتحدي فتمضي الأيام حولهم وهم لا يزالون هنالك محاطون بصمودهم، ونحن لا نزال هنا مكفنين بصمتنا

لم أقل لك يا نيسان أننا قررنا أن نخرج عن صمتنا بشكل مفاجئ، لا أدري ما الذي حصل وماذا كنا ننتظر وما الذي دفع الجموع لأن تنتفض، ولكنها انتفضت وقررت بأن اليوم الجمعة هو "جمعة كسر الصمت". وكلٌ قد كسر صمته بطريقته، فهنالك من خرج اليوم ليبني لنفسه "صومعة" جديدة وعاد إليها، وهنالك من خرج اليوم ليعود بضمير خالٍ من الصراخ الذي لا بد أنه دام مئتي يوم أو أكثر، وهنالك من خرج ليقول لنا أن حلم الأسرى بالحرية سيتحقق وأنه بعصا سحرية لا يمتلكها سيحققه لهم

ولإنهم اليوم موضوع كل شيء قلت لنفسي لماذا لا أخبرك عنهم! أغضبني التخاذل للحد الذي بت أستهجن فيه هبّة الجماهير، فلماذ الآن وماذا كنتم تنتظرون؟ هنالك من لم يعرف الصمت أبداً منذ آخر إضراب عن الطعام خاضه أسرانا في سجون الاحتلال؛ فظل يبعثر الهدوء الذي منحه الآخرون "منا" للعدو الذي أجبر سامر وأيمن ورففاقهما على خوض معركة كاللتي يخوضونها اليوم. وهنالك من يحلو له صمتنا فيعزف على وقعه أغنية لحملته الانتخابية فكما تعلم أن انتخابات (إعادة توزيع ما تبقى من الوطن) قد اقتربت. هنالك من يجمع الناس للصلاة في مكان عام لإلقاء الخطب والكلمات والإستماع إلى وعود من لا يمتلكون تحيق الوعود، وهنالك من قرر أن يصرخ اليوم بصوت أعلى من على منبر الجمعة ولن أقول لعل صوته يفعل شيئا فهو بالتأكد لن يفعل، وهنالك من لم يرضى بأقل من المواجهة، وشبابنا أمام سجن عوفر وفي نقاط التماس الأخرى كفو ووفو وما قصرو

يؤلمني ما نعيشه من تخبط، وعلى الصعيد الشخصي لست أقل تخبطاً فأنا ولنفس السبب الذي تعلمه جيداً عاجزة عن التفكير، عاجزة عن تخطي الكثير من التفاصيل المزعجة، ابعث لي بشيء يسرني أخبرني أنك لن تظل غائباً فالربما أصبح أفضل


صديقتك، من يزعجها الصمت



Sunday, February 10, 2013

يضيق كل شيء، فنحتفل بالموت

نيسان..


كان ردك ملفتاً ولكنه لم يدفعني للكتابة ثانية، إلا أن بعضاً من الملل دعاني لأخاطبك اليوم.
كل شيء أصبح ضيقا، حتى السماء أصبحت ضيقة على نفسها! لم تعد تتسع لأحلامنا ولا لأمنياتنا التي نرسلها بالسر ليلاً، لم تعد تبعث فينا الفرح والأمل، ويبدو أنها لم تعد تملكهما. هل الرغبة في الكتابة هي رغبة في قتل شيء ما داخلنا أم أنها رغبة منا لإبقائه حياً للأبد وملاصقاً لنا أينما حللنا، أأكتب لك لأني أخشى فقدانك، أم أني أعرف جيداً أنني خسرتك فأكتب حتى أبعثر ما تبقى منك داخلي وأنثره من خلال رسائلي حتى لا يبقى منه شيئا؟

دعك من هذا الكلام الآن، وأخبرني: ما هي المشكلة في أن نفهم أنفسنا كمجتمع مستعمَر وأفراد يتعرضون في البداية وقبل كل شيء لقهر المستعمِر؟
قبل يومين فقط سألت نفسي، لماذا لا نحتفل بالأبطال إلا في حال موتهم، ولماذا لا نغضب ولا نحزن إلا لمن يُقتلون، أتعلم أننا بهذا نقتل الأحياء ونمشي في جنائزهم كل يوم، أكان يجب على الأسرى أن يتحولوا إلى مشروع شهداء لنشعر بعظمتهم، وهل يجب على شابٍ شغف بقهر الصمت عبر رمي الحجارة (صابت أو لم تصب فالمهم أن تخترق صفحة السماء أمام الجنود فتعكر صمتها) أيجب عليه أن يستشهد لنذكره ونفخر به شهيدا؟

لا أظن أن الموت يستهوينا إلى هذا الحد، ولكن يبدو أن قلوبنا أصبحت ضيقة كما السماء ولا تتسع إلا لقدرٍ من الحزن أو الغضب أو الفخر، يمر بنا زائراً أو قد لا يفعل، ويترك فينا أثره وقد لا يترك وفي كلتا الحالتين فهو يرحل.
لا تسألني ما الذي أصابني، فصدقني أنا لا أعلم، وإن تأخرت في مراسلتك فاعلم أني أكتب ولا أجرؤ على ارسال كل ما أكتبه


صديقتك بمزاجها المتقلب كما عهدتها دوماً