Showing posts with label فلسطين. Show all posts
Showing posts with label فلسطين. Show all posts

Saturday, July 13, 2013

# انتفاضة

نيسان،

عندما أصبحت موقنة بأنك لن تعود، أصبح شوقي للكتابة اليك أكبر من شوقي لرؤيتك والحديث معك. ولكني بت أخشى أن أكتب فلا تصلك رسائلي، أن أبوح لك دون أن تعلم أني فعلت، بت أخشى على رسائلي من أن تضل طريقها إليك فتذهب إلى أحد غيرك، بت أخاف أن تحبها أكثر مني، أن تشتاق لها بدلاً من أن تشتاق لي، أن تنتظر وصولها بدلاً من أن تفكر في العودة.

كل هذه المخاوف لا تساوي شيئأ أمام رغبتي في الرحيل، يبدو أن المكان قد ضاق بنا كثيراً، لم يعد يحتمل منا المزيد من البؤس فلفظنا خارج رحمته! في السابق كان أيُّ شيء يمسح عني الحزن ويخرجني من الضياع ويعيدني إلى نفسي. كان يكفيني أن ألمس جذع شجرة أمر عنها كل يوم، لأشعر أنني أنتمي إليها؛ هي التي تنتمي إلى رحم هذه الأرض. وكانت نسمة هواء باردة كفيلة بأن تذكرني أنه لا يمكن أن أختنق ما دمت أستنشق هواء الوطن، هذا الهواء الذي يُخبرنا بقصة كل رائحة نستنشقها إذا أصغينا إليه جيداً.

يحدث أن يصبح الوطن ضيقاً فنعشقه أكثر! ولأننا نخاف عليه منا، من قسوتنا ولا مبالاتنا، ولإننا نخاف على أنفسنا من حُمىً قد تصيبنا إثر عشقنا لمكان لم يعد يتسع لقلوبنا ولهذا القدر من الحب، ومن لوعة قد تحرمنا من أن نكون أنفسنا في المكان الوحيد الذي يمكننا أن نكون فيه "نحن"؛ لهذا تجتاحنا هواجس البقاء ونوبات الرحيل.

عندما رحلتَ لم تلتفت للوراء، ويبدو أنك لا تفكر في العودة أبدا. قل لي كيف هو الرحيل؟ من أنت الآن وكيف تخاطب نفسك؟ ماذا ترى عندما تنظر في المرآة؟ هل ما يزال في عينيك بريق كالذي كان عندما كنت تصمت طويلا لتخرج منك تنهيدة عميقة تنظر بعدها في عيني وتقول:  "الوطن في القلب هون (وتضرب على صدرك بعنف) وما حد بقدر ينتزعه من قلبي، وجع الوطن وجعي".. هل ما زال وجع الوطن وجعك؟ أعرف أن أسئلتي قاسية ولربما غبية، ولكن بقي سؤال واحد لا بد منه، ما الذي حل بقلبك يا نيسان؟ أقلب بدون وطن يمكنه أن ينبض؟!
أجلد نفسي وألومها لإني صمتُّ وتركتك ترحل بدون أن أصرخ في وجهك: "وقف.. والوطن إلي كنت تحكي عنه!!"

قبل قرابة أسبوع وقف شاب يحمل لافتة كتب عليها ( #انتفاضة ) على دوار المنارة في مدينة رام الله، لربما كان يفكر بينه وبين نفسه بجدوى الذي يفعله، وماذا يمكن أن يفعل بدلاً عنه. لاحقاً، بعد أن تحدثت إلى الشاب الذي أثارت فعلته بلبلة في مجتمعنا الذي يبرع في الانتقاد أكثر من أي شيء آخر، قررت أن أحدثك عنه وأصفه لك، وأنقل إليك فكرته ورسالته، لربما تستعيد بعضاً من الذي ضاع منك.

ملثماً بكوفية لا تظهر من وجهه إلا عينان بالرغم من التعب الذي يبدو عليهما، إلا أنهما تشتعلان غضباً وعشقا، ومنتصباً رافعاً رأسه نحو السماء، كان الشاب يستذكر آلاف الشهداء الذين لا يعرفهم، يفكر بمئات الأسرى الذين لا يأتي على ذكرهم أحد (لا بد أن الوطن أصبح ضيقاً عليه أيضاً فأخرج للبحث عن فسحة أمل قبل أن تستولي عليه فكرة الرحيل). لم يدعو بوقفته هذه  إلى اقامة انتفاضة فلسطينية ثالثة، فهو ليس ساذجاً ويعرف جيداً أن الانتفاضة تأتي لوحدها لعنة على الاحتلال؛ ولا تطلب من أحد. كل ما أراده أن تعود روح الانتفاضة إلى الشارع الفلسطيني الذي ينكر حالة الاستعمار الذي يعيشها، أن نخرج في جنازة شهيد لا نعرفه، أن نهتف باسم أسير قبل أن نزفه شهيداً، أن يسكننا الوطن كما نسكنه، أن نخلق أدوات الحرب بأيدنا، أن نطرد اليأس من عقولنا، وندفن الخوف الذي بات يرافقنا، أن نواجه قدرنا بشجاعة بدلأ من أن نهرب منه إليه. 

تحمس كثيرون للفكرة وتداولوها على صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بهم، تبناها آخرون وخرجو بعد يومين ملثمين في مظاهرة على دوار المنارة، توجهو بعدها إلى سجن عوفر العسكري ليترجمو كلمة (#انتفاضة) كما فهموها، (هنالك هم بين قنابل الغاز والحجارة المتطايرة أقرب إلى أنفسهم أكثر من أي مكان آخر)، فيما استسخف آخرون (وهم كثر) الفكرة بل ولعنو صاحبها.

بقي أن أقول لك أن صديقي الملثم أنهى كلامه بابتسامة لا مثيل لها  وقال:  "الإنتفاضة يعني إنك ترجع تتصرف على إنك فلسطيني!"، وأن مشهد الملثم يجوب شوارع مدينة رام الله قد استفز أجهزة ورجالات الأمن الفلسطيني، وأن (#انتفاضة) لم تنتهي بعد فهنالك عدة جولات أخرى، إحداها ستكون أمام محقق المخابرات الفلسطينية يوم الثلاثاء القادم، فصديقنا حصل على تبليغ رسمي يوم أمس!

صديقتك من تؤرقها هواجس البقاء ونوبات الرحيل

Saturday, March 2, 2013

مرة واحدة هي أبداً

عزيزي نيسان، 

لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك اخر مرة، أعذرني فأنا لم أهجرك وحدك وإنما هجرت نفسي أيضاً. تشغلني عنك وعني أمور لا أقدر على تفسيرها، وتتعبني محاولة فهمها ومحاولة الوصول إلى منطق وجودها في رأسي المحشو بالأفكار والمسائل المؤجلة.

"مرة واحدة لا تحسب، مرة واحدة هي أبداً أن لا تسطيع العيش إلا حياة واحدة كـأنك لم تعش البتة"، تستمر هذه العبارة في الحضور في كل مرة أكون مجبرة على اتخاذ قرار ولا تسعفني أي من الأفكار أو النصائح في الوصول إلى أفضل ما يمكنني أن أفعله، أتدري ماذا يعني أن يكون كل شيء هو مرة واحدة؟ مرة واحدة تعني أن خوفنا في كثير من الأحيان مبرر، أن قلقنا اتجاه أنفسنا مقبول، وأن تعاستنا لربما كانت لتكون أكثر لحظاتنا سعادة.. 

هل تفهمني يا نسيان؟ فأنا لا أفهم نفسي عندما أكون في مثل هذه الحالة، أن أكون عاجزة عن التفكير، عاجزة عن مواجهة مخاوفي، استمراري في تأجيل النظر ببعض الأمور الملحة؛ يعني أنني أعجز عن فهم نفسي! 

بعيداً عن كل هذا شاهدت البارحة لقاءً تلفزيونياً مع المناضلة ليلي خالد، تمنيت أن يتوقف الزمن وهي تتحدث، لم يخبو وهج ابتسامتي لحظة واحدة طوال المقابلة، وكنت بين الفينة والأخرى اغمض عيني لعل حديثها يحملني إليها بينما كانت تروي قصتها. لا أبالغ إن قلت لك أني كنت أكرر بعض من كلماتها حتى تبقى عالقة في ذهني ولا أنساها. أصابتني نشوة غريبة وأنا استمع لتفاصيل حديثها مع الضابط البريطاني الذي حقق معها أثناء اعتقالها في لندن بعد عملية خطف طائرة "العال" الإسرائيلية؛ انتهى الجزء الثالث من المقابلة وظلت كل المشاهد التي وصَفَتها ترافقني.

أمضيت باقي الليلة وأنا أحاول أن أفسر لنفسي سرّ الشعور الغريب الذي منحتني إياه ليلى خالد، ألكونها امرأة قامت بخطف طائرة للمرة الثانية؟ لا لا أظن ذلك، لا بد أن حديثها نقلني إلى حالة من التحدي والإصرار، وبطريقة ما بث فيّ جرعة من الأمل. لربما تقول لنفسك الآن أني -وبذات المشاعر الطفولية التي لا تزال ترافقني- قد غصت عميقاً في حلم الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، إلا أنني يا صديقي أؤكد لك أن الأمر يتجاوز مشاعر الحنين المشروعة لزمن لم أعشه، إنهم الأبطال يتوقف الزمن عندما يتحدثون لإنهم كانوا قد شكلوا بعض تفاصيله من قبل، وإن كانت الحياة هي مرة واحدة فمن يصنع لحظة منها يكون كأنه شكلها كلها. 

لا داعي لإن أذكرك بأن الشوق لك يزداد، ولكني بت أخاف عليه أن ينتهي بشكل مفاجئ، فيترك مكانه لامبالاة قد تقتل فيّ الرغبة في الكتابة بشكل نهائي.


صديقتك التي لن تكون إلا مرة واحدة