Sunday, April 14, 2013

ما لم يقله لك من أخبرك بالنتيجة

نيسان

قلت لك يوم قررتَ الذهاب: إن كنت مسكوناً بالرحيل اذهب ولكن اترك لي اسمك وبعضاً من الأمل بموعد لا نملكه.. رحلتَ وكان رحيلك موجعاً، آلمتني الشوارع المسكونة بالذاكرة بالقدر الذي آلمتني فيه صباحات المدينة الخالية منك روحاً وأغنية لم يغنها لي أحد غيرك، وما زلت لا أعرف سرَّ ولعك بها "حبيبي بدو القمر والقمر بعيد والسما عالية ما بطالا الإيد"، تشتاقك فيروز يا نيسان ويشتاقك الوطن الذي نذرت نفسك له يوماً فخذلتك الحياة مراراً، وتركتك الفكرة التي دافعت عنها حد الاستماتة بعد أن خذلتها أنت بدورك، ودفعت بك بعيداً عني وعن فيروزية الصباح والوطن!


لم أكتب لأعاتبك ولكني ما إن كتبت اسمك حتى انسكب ما في قلبي دون إذن مني، كنت قد وعدتك أن أراسلك بشأن انتخابات مجلس الطلبة في جامعتنا، وسيكون من المضحك أن أعلق لك على الانتخابات بعد هذا السيل من البوح! إلا أنني سأحاول أن أنقل لك ما لم يذكره أحدٌ حين أعلنت النتيجة.. ما لم يقله لك من أخبرك أن الشبيبة حصلت على 23 مقعداً وأن الكتلة الإسلامية حصلت على 20 مقعد وأن القطب الطلابي حصد 7 مقاعد هذا العام.

يبدو الفارق بين حماس وفتح هذا العام ضئيلاً وهذا لا يشير إلى شيء ذو قيمة، إلا أنه يخبرنا أن جمهور حماس بدأ ينشط من جديد، فلا خوف اليوم بعد أن تم الاتفاق بشكل رسمي على اقتسام الوطن وبعد أن تمت مأسسة هذا الاتفاق فيما يسمى "المصالحة"، وهنا دعني أسئلك وان كنت تمتلك جواباً أسعفني به: ماذا تعني جملة "نحن نمد يد المصالحة إليكم" لتكون خاتمة جولة تخوين مقرفة تتخللها الشتائم والعبارات الهزلية السخيفة؟ أفهم جيداً أن الفرقاء اتفقوا على اقتسام الوطن، ولكنني لا أفهم كيف وصل طلبة جامعتنا من كلتا الحركتين لهكذا مستوى من الخطاب لا يحترم وجود طالب واحد على الأقل وقف متحمساً ليشاهد ما تمثله "الديمقراطية" وليستمع للدعاية أو للمناظرة الطلابية، أي مبرر وضعه من أبدعوا في الردح لأنفسهم وهم يصرخون ويملؤون الحرم الجامعي ضجيجاً طيلة أيام الانتخابات..


هذه المهزلة لم تمنع الكثير من الطلاب من التصويت لمن صبوا قذارة الساسة الذين منحوا الوطن للعدو بقصد أو بدون قصد فوق رؤسنا طيلة أيام الانتخابات، 23 مقعد لشبيبة تعني أن هنالك من يعبد الحركة السياسية ويكفر بالوطن، وأن توزيع اللحوم وكروت الجوال يأتي بنتيجة، وأننا نحتاج الكثير والكثير لنصل إلى درجة من الوعي كفيلة بتحريرنا، 20 مقعد للكتلة الإسلامية تعني أن الكثيرين أصواتهم بالفعل كانت أمانة استعادها الصندوق في يوم الانتخابات، وأن صواريخ المقاومة التي تغنت بها الكتلة طيلة العام لا بد وأنها أصابت عقول الكثير من الطلاب (مع احترامي للمقاومة وصواريخها)، وأن لا داعي لإن تترفع في خطابك ما دامت الشبيبة هي خصمك فالله غفور رحيم، وأن الطريق إلى الوطن لا تمر عبر حماس، فحماس رصفت الطريق المؤدي إلى السلطة وتحاول شق إلتفافي ليكون قريباً من الوطن!

و7 مقاعد يا نيسان ليست نصراً، من قال لك أنهم يبحثون عن النصر على رفوف مجلس الطلبة، 7 مقاعد تعني أن ما حصلت عليه الشبيبة والكتلة الإسلامية من مقاعد لن تمنحهم شرف احتكار المجلس والتفرد به، تعني أن طلاب العام الدراسي 2013- 2014 سيضيفون مصطلح "التمثيل النسبي" إلى قاموس حياتهم الجامعية، تعني أن احترام عقول الطلبة ومخاطبتها هو احترام لفكرة العمل النقابي الجاد التي أهملتها الكتل المنشغلة بتزين نشاطاتها والتي ما أن تنتهي حتى يزول مفعولها، 7 مقاعد تعني أن هنالك وعي طلابي يستحق منا المزيد من العمل، وتعني أن طريق التغيير لا زال في بدايته، وأن جامعة بيرزيت وحركتها الطلابية تعيش تحدياً حقيقياً يتمثل في قبولها لفكرة التمثيل النسبي والتخلي عن صدى كلمة كالإكتساح.

مهما حاولتُ أن أقف من السياسة على مسافة آمنة تجنبني وجع الوطن فأنا لا أفلح في ذلك، مرهونة قلوبنا للوطن ما دام فينا بعض الأمل، لا تستغرب كلامي فهو ما لم أستطع أن أقوله لك وأن تستعد للرحيل تاركاً قلباً مريضاً بالخذلان، مثقلاً بجراح الوطن، فراغاً من الأمل، أتدري أني لازلت أحتفظ به لك، قلبك الذي رفض أن يرافقك بعد أن أنكرت عليه حقه في أن يحتفظ ببضع نبضات من الأمل.

صديقتك المسكونة بالوطن

Monday, March 25, 2013

فقط لاني أريد أن أكتب

صديقي نيسان،

تتملكني رغبة في الكتابة إليك، ولكني أعجز عن التعبير، وهنالك الكثير أريد أن أبوح به، ولكنه ما أن يخرج من داخلي حتى يتحول إلى جمل غير مترابطة وغير منطقية. أتغير كثيراً من الداخل، وبسرعة تربكني وتخيفني، أفقد جزئاً مني، كل شيء غدا ناقصا، وكل حدث غير مكتمل ومشوه..

لن أعلق على شيء اليوم، وإنما سأسرد لك بعض الأحداث

احتفلت قيادتنا الأمنية بزيارة الرئيس الأمريكي أوباما كما لم يحتفل صاحب عارٍ من قبل.

جاء عيد الأم ومضى ولم استطع أن أقول لأمي كم أعشقها، وأظن أنها الآن غاضبة (كما تغضب الأمهات بسذاجتهنّ المحببة والتي لا مثيل لها) وأنا أعجز عن خلق مبرر لها!

بدأ فصل الربيع، وهذه فرصة لأقول لك أني لا أحب فصل الربيع ولا أرى فيه شيئاً مميزا، إلا أنه يبشرنا بأيام حر مقيتة قادمة.

مرت ذكرى معركة الكرامة وكأنها لم تحصل، ونحن لم نعد نعرف من المعركة حتى اسمها!

سامر العيساوي لا يزال مضرباً عن الطعام، ويأبى إلا أن يكون حرا، وأقسم لك يا نيسان أنه "حرٌ رغم القيد".

أيمن الشراونة الآن في غزة حيث تم "إبعاده" ولن أقول لك إلا أن مشهد عناقه لوالدته دفعني للابتسام طويلاً.

اقتربت انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت، وأعدك أن أراسلك بشأنها، فهي حدث لا بد من التعليق عليه، ليس لأهميته، بل لإني أعلم جيداً أنك تنتظر مني هذا.

لم يبق شيءٌ أخبرك به إلا أن الوحدة شيء متعب يا نسيان، أن تكون مضطراً لمناقشة أمورك مع نفسك، الحديث عن مشاكلك لنفسك، أن تتذكر وتحلم، مع نفسك فقط ولا أحد غيرها. ولا بد أنك لست وحيداً أينما كنت الآن، فأنت لا تطيق قسوة الذاكرة التي دفعتك للرحيل، ولن تسمح لها بأن تغزوك وحيداً.

صديقتك التي لا تطيق الوحدة

Saturday, March 2, 2013

مرة واحدة هي أبداً

عزيزي نيسان، 

لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك اخر مرة، أعذرني فأنا لم أهجرك وحدك وإنما هجرت نفسي أيضاً. تشغلني عنك وعني أمور لا أقدر على تفسيرها، وتتعبني محاولة فهمها ومحاولة الوصول إلى منطق وجودها في رأسي المحشو بالأفكار والمسائل المؤجلة.

"مرة واحدة لا تحسب، مرة واحدة هي أبداً أن لا تسطيع العيش إلا حياة واحدة كـأنك لم تعش البتة"، تستمر هذه العبارة في الحضور في كل مرة أكون مجبرة على اتخاذ قرار ولا تسعفني أي من الأفكار أو النصائح في الوصول إلى أفضل ما يمكنني أن أفعله، أتدري ماذا يعني أن يكون كل شيء هو مرة واحدة؟ مرة واحدة تعني أن خوفنا في كثير من الأحيان مبرر، أن قلقنا اتجاه أنفسنا مقبول، وأن تعاستنا لربما كانت لتكون أكثر لحظاتنا سعادة.. 

هل تفهمني يا نسيان؟ فأنا لا أفهم نفسي عندما أكون في مثل هذه الحالة، أن أكون عاجزة عن التفكير، عاجزة عن مواجهة مخاوفي، استمراري في تأجيل النظر ببعض الأمور الملحة؛ يعني أنني أعجز عن فهم نفسي! 

بعيداً عن كل هذا شاهدت البارحة لقاءً تلفزيونياً مع المناضلة ليلي خالد، تمنيت أن يتوقف الزمن وهي تتحدث، لم يخبو وهج ابتسامتي لحظة واحدة طوال المقابلة، وكنت بين الفينة والأخرى اغمض عيني لعل حديثها يحملني إليها بينما كانت تروي قصتها. لا أبالغ إن قلت لك أني كنت أكرر بعض من كلماتها حتى تبقى عالقة في ذهني ولا أنساها. أصابتني نشوة غريبة وأنا استمع لتفاصيل حديثها مع الضابط البريطاني الذي حقق معها أثناء اعتقالها في لندن بعد عملية خطف طائرة "العال" الإسرائيلية؛ انتهى الجزء الثالث من المقابلة وظلت كل المشاهد التي وصَفَتها ترافقني.

أمضيت باقي الليلة وأنا أحاول أن أفسر لنفسي سرّ الشعور الغريب الذي منحتني إياه ليلى خالد، ألكونها امرأة قامت بخطف طائرة للمرة الثانية؟ لا لا أظن ذلك، لا بد أن حديثها نقلني إلى حالة من التحدي والإصرار، وبطريقة ما بث فيّ جرعة من الأمل. لربما تقول لنفسك الآن أني -وبذات المشاعر الطفولية التي لا تزال ترافقني- قد غصت عميقاً في حلم الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح، إلا أنني يا صديقي أؤكد لك أن الأمر يتجاوز مشاعر الحنين المشروعة لزمن لم أعشه، إنهم الأبطال يتوقف الزمن عندما يتحدثون لإنهم كانوا قد شكلوا بعض تفاصيله من قبل، وإن كانت الحياة هي مرة واحدة فمن يصنع لحظة منها يكون كأنه شكلها كلها. 

لا داعي لإن أذكرك بأن الشوق لك يزداد، ولكني بت أخاف عليه أن ينتهي بشكل مفاجئ، فيترك مكانه لامبالاة قد تقتل فيّ الرغبة في الكتابة بشكل نهائي.


صديقتك التي لن تكون إلا مرة واحدة

Friday, February 15, 2013

كسر الصمت، دون ضجيج


الغائب نيسان..

 الوقت لا يمر بسرعة أبداً، بل نحن اللذين نهرول مسرعين عن اللحظات التي نعيشها، ونختصر تفاصيل الحياة الجميلة والمؤلمة ونتجاوز الأمور الصغيرة التي تعطي معنى لكل ما يحصل معنا، فيبدو لنا حينها أن الأيام تجري وتمر بنا دون أن تلقي التحية وتتركنا دون أن تودعنا.

كيف يمر الوقت على الأسرى المضربين عن الطعام؟ وما هي التفاصيل التي تخيط أيامهم؟ ماذا هنالك غير الجوع والتعب؟ وهل هنالك فعلاً شعور بالجوع والتعب دون غيرهما؟ هل تتوقف كل اللحظات عند لحظة شعورهم بالتحدي فتمضي الأيام حولهم وهم لا يزالون هنالك محاطون بصمودهم، ونحن لا نزال هنا مكفنين بصمتنا

لم أقل لك يا نيسان أننا قررنا أن نخرج عن صمتنا بشكل مفاجئ، لا أدري ما الذي حصل وماذا كنا ننتظر وما الذي دفع الجموع لأن تنتفض، ولكنها انتفضت وقررت بأن اليوم الجمعة هو "جمعة كسر الصمت". وكلٌ قد كسر صمته بطريقته، فهنالك من خرج اليوم ليبني لنفسه "صومعة" جديدة وعاد إليها، وهنالك من خرج اليوم ليعود بضمير خالٍ من الصراخ الذي لا بد أنه دام مئتي يوم أو أكثر، وهنالك من خرج ليقول لنا أن حلم الأسرى بالحرية سيتحقق وأنه بعصا سحرية لا يمتلكها سيحققه لهم

ولإنهم اليوم موضوع كل شيء قلت لنفسي لماذا لا أخبرك عنهم! أغضبني التخاذل للحد الذي بت أستهجن فيه هبّة الجماهير، فلماذ الآن وماذا كنتم تنتظرون؟ هنالك من لم يعرف الصمت أبداً منذ آخر إضراب عن الطعام خاضه أسرانا في سجون الاحتلال؛ فظل يبعثر الهدوء الذي منحه الآخرون "منا" للعدو الذي أجبر سامر وأيمن ورففاقهما على خوض معركة كاللتي يخوضونها اليوم. وهنالك من يحلو له صمتنا فيعزف على وقعه أغنية لحملته الانتخابية فكما تعلم أن انتخابات (إعادة توزيع ما تبقى من الوطن) قد اقتربت. هنالك من يجمع الناس للصلاة في مكان عام لإلقاء الخطب والكلمات والإستماع إلى وعود من لا يمتلكون تحيق الوعود، وهنالك من قرر أن يصرخ اليوم بصوت أعلى من على منبر الجمعة ولن أقول لعل صوته يفعل شيئا فهو بالتأكد لن يفعل، وهنالك من لم يرضى بأقل من المواجهة، وشبابنا أمام سجن عوفر وفي نقاط التماس الأخرى كفو ووفو وما قصرو

يؤلمني ما نعيشه من تخبط، وعلى الصعيد الشخصي لست أقل تخبطاً فأنا ولنفس السبب الذي تعلمه جيداً عاجزة عن التفكير، عاجزة عن تخطي الكثير من التفاصيل المزعجة، ابعث لي بشيء يسرني أخبرني أنك لن تظل غائباً فالربما أصبح أفضل


صديقتك، من يزعجها الصمت



Sunday, February 10, 2013

يضيق كل شيء، فنحتفل بالموت

نيسان..


كان ردك ملفتاً ولكنه لم يدفعني للكتابة ثانية، إلا أن بعضاً من الملل دعاني لأخاطبك اليوم.
كل شيء أصبح ضيقا، حتى السماء أصبحت ضيقة على نفسها! لم تعد تتسع لأحلامنا ولا لأمنياتنا التي نرسلها بالسر ليلاً، لم تعد تبعث فينا الفرح والأمل، ويبدو أنها لم تعد تملكهما. هل الرغبة في الكتابة هي رغبة في قتل شيء ما داخلنا أم أنها رغبة منا لإبقائه حياً للأبد وملاصقاً لنا أينما حللنا، أأكتب لك لأني أخشى فقدانك، أم أني أعرف جيداً أنني خسرتك فأكتب حتى أبعثر ما تبقى منك داخلي وأنثره من خلال رسائلي حتى لا يبقى منه شيئا؟

دعك من هذا الكلام الآن، وأخبرني: ما هي المشكلة في أن نفهم أنفسنا كمجتمع مستعمَر وأفراد يتعرضون في البداية وقبل كل شيء لقهر المستعمِر؟
قبل يومين فقط سألت نفسي، لماذا لا نحتفل بالأبطال إلا في حال موتهم، ولماذا لا نغضب ولا نحزن إلا لمن يُقتلون، أتعلم أننا بهذا نقتل الأحياء ونمشي في جنائزهم كل يوم، أكان يجب على الأسرى أن يتحولوا إلى مشروع شهداء لنشعر بعظمتهم، وهل يجب على شابٍ شغف بقهر الصمت عبر رمي الحجارة (صابت أو لم تصب فالمهم أن تخترق صفحة السماء أمام الجنود فتعكر صمتها) أيجب عليه أن يستشهد لنذكره ونفخر به شهيدا؟

لا أظن أن الموت يستهوينا إلى هذا الحد، ولكن يبدو أن قلوبنا أصبحت ضيقة كما السماء ولا تتسع إلا لقدرٍ من الحزن أو الغضب أو الفخر، يمر بنا زائراً أو قد لا يفعل، ويترك فينا أثره وقد لا يترك وفي كلتا الحالتين فهو يرحل.
لا تسألني ما الذي أصابني، فصدقني أنا لا أعلم، وإن تأخرت في مراسلتك فاعلم أني أكتب ولا أجرؤ على ارسال كل ما أكتبه


صديقتك بمزاجها المتقلب كما عهدتها دوماً

Saturday, February 2, 2013

الجمعة، صباحاً

صديقي العزيز نيسان

أفضِّلُ أن أجد المبررات لتجاهلك المتواصل على أن أترك الحزن يجتاحني فأتوقف عن الكتابة لك، ولهذا بت أعتقد أنك تكتب لي الردود على رسائلي ولسبب أجهله تماماً لا تصلني رسائلك، وأنها ستصلني ذات يوم دفعة واحدة فأنشغل بقرائتها وأنفرد بها وأتلوها على نفسي بصوت مرتفع، ولربما أنسى حينها أن أكتب لك فأرد لك بعضاً من تجاهلك بغير قصد

لماذا صباحات الجمعة هكذا؟ تحمل من الكآبة ما لا يجب أن تحمله، لا بد أن الجو الممطر ترك أثره على هذا الصباح فبدى حزيناً كما لو أنه فقد عزيزاً. قبل عدة سنوات مضت كنت أنتظر سماع خطبة الجمعة متشوقة لأعرف موضوعها، وأتوقف عند القصص الغريبة التي يرويها خطيب المسجد، كانت تدهشني أحاديثه باستمرار. أكنت ساذجة حينها؟ أم أن خطيب الجمعة كان يتحدث فعلاً بما يستحق مني كل هذا الإهتمام؟ اليوم، لا أسمع خطب الجمعة إلا صدفة ولا أحتمل الإستماع لأكثر من دقيقتين، وفي كثير من الأحيان تجدني أمسك قلما وورقة وأدون ملاحظات حول ما يقول الخطيب وأبدأ بتحليل نبرة صوته وطريقته في الإلقاء، هذا بلا شك مما أورثتني إياه ثلاث سنوات من دراسة علم الإجتماع. قل لي.. عندما يبدأ خطيب السلطة بالصراخ متحدثاً عن فساد حكومة غزة وسرقتها للأموال العامة، وعندما تتحول خطبة الجمعة عند خطيب حكومة غزة لفرصة لردّ الردح بالردح، ويُفرض على باقي الخطباء الذهاب بعيداً في أي قضية لا صلة لها بالواقع، فلماذا يجب ان تبقى خطبة الجمعة قائمة أصلاً وهي على هذا الحال؟

 ياه لقد مرت السنوات مسرعة، تعلم أني سأنهي فصلي الأخير في الجامعة وها أنا أبدأ بمشروع التخرج، ويبدو أن هذا الفصل الدراسي سيمر سريعاً. بعد كل هذه السنوات ألا تشعر بالغياب يجتاحك يا نيسان؟ أتعلم أنني أعشق الكتابة لك بقدر ما أنا مشتاقة لسماع صوتك؟
لا أعلم متى سأراك ولكني كلما مر وقت أكثر أشعر بموعد اللقاء يقترب، ولكنه يبقى كالحلم.

 صديقتك التي لن تمل من انتظار الرد 

Wednesday, January 30, 2013

مش مؤامرة

صديقي العزيز نيسان،

عندما أذكر أمام أصدقائي أن لي صديقاً اسمه نيسان يضحكون، وقليل منهم يبتسم. أنا بخير، ولا جديد بشأني يستحق الذكر. أشتاق إليك كما في كل مرة، وعبثاً أحاول البوح بما يجول في خاطري لغيرك، وإن نجحت في مواصلة الكلام مع أحدهم، فأنا لا أنجح أبداً في الوصول إلى ذلك الرضى الذي يرافق البوح بما يثقل النفس.

أشعر بالعجز يا صديقي، وأشعر بأن كل شيء قد تآمر ضد كل شي، ها أنت تضحك الآن حتى وأنت تعرف جيداً أني لست من أصحاب نظرية المؤامرة!

البارحة كنت في مؤتمر شعبي لنصرة الأسرى في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ضم مجموعة كبيرة من الشخصيات الوطنية البائسة التي تعشق اعتلاء المنصات وإلقاء الخطب المملة التي تتشابه حد التطابق في كل مرة، وعدد هائل من عدسات المصورين، أظن أنهم إحتلوا نصف مساحة القاعة. ولكني لم أكتب لأحدثك عن هؤلاء، ففي القاعة المكتظة أيضاً جلست مجموعة من أمهات الأسرى وذويهم يحملون صور أبنائهم وحزنهم وصمتهم، ويبدو أن حديث "أهل الشأن" -الذين لا شأن لهم بقيضة الأسرى إلا الظهور أمام شاشات التلفاز للتباكي حول "خطورة الوضع"- يبدو أنه أرهق قلوب الأمهات المعلقة على مقربة من زنازين أولادهنّ، فقامت اثنتين منهنّ وقاطعنَّ أحد المتحدثين، والذي كان يتلو توصيات المؤتمر، وبدأنَّ بالصراخ والشتم و"البهدلة"، ولم يشأ صاحب التوصيات أن يصمت فظل يردد كلامه وبصوت أعلى، وأمسك المايكرفون في يده ضاغطاً علَّ الضغط عليه يخفي صوت النسوة التي بدأت تتعالى، لم تتركنَّ مسؤولاً ولا وزيراً إلا سببنه ودعينَّ عليه، وصرنَّ يجلنَّ في القاعة حاملات صور أبنائهن مواصلات الصراخ. 

وأنا يا صديقي أخذني الموقف، ولم أعد أفهم شيئاً مما يحدث، فخرجت من القاعة، ومشيت إلى الخارج ترافقني وقاحة صوت الرجل المرتبك ممزوجاً بصراخ النسوة وبلبلات الحضور.

أشعر بالعجز لإن لا شيء مما نفعله مجدي، ولأننا لا نقوم بشيء أصلاً، ففي الفترة الأخيرة يبدو أن موسم الإعتصامات التضامنية مع الأسرى مؤجل أو لم يحن بعد، لا أدري!


ملاحظة: سامر لا يزال صامداً ولا يأبه لتخاذلنا، "وصارله مضرب189 يوم".

صديقتك التي يزعجها أن لا تكتب إليك