Tuesday, September 3, 2013

وداعاً نيسان

نيسان، أكتب لك للمرة الأخيرة، موقنة أن سماءً ما ستجمعنا..

كنت أعتقد أن الزمن كفيل بخلق الفتاة القوية داخلي، واخراجها للعالم كالمارد لا تأبه شيئا، كنت أظن أن المزيد من التجارب ستجعلني أكثر صلابة، إلا أنني لا زلت هشة، أبكي لنفس الأسباب الموجعة التي تتكرر بسذاجة. جرحي لم يلتئم، بل أصبح عميقاً إلى الحد الذي استحال معه الشفاء، ومع كل محاولة فاشلة أعود إلى القاع، أَعُدُّ كم من الأشياء هوت معي، تلك الابتسامات الصغيرة التي لازلت اخبئها أصبحت تهوي أيضاً.

وداعاً نيسان!

أنت لم ترحل عني وحدي، أنت رحلت عن هذه الدنيا، وأنا لم أودعك. يوم باغتك الموت لم أكن مستعدة بعد لأقول لك وداعاً، لم أصدق أنك ستذهب للأبد، أنكرت أمام الجميع موتك، صرخت بهم جميعاً "كفو عن الكذب، نيسان لم يمت، هو لا يعرف كيف يكون الموت!".
رفضت أن أعلن الحداد، لم أرتدي الأسود، لم أبكي، لم أحزن، ببساطة أرغمت الحياة على الاستمرار كما كانت. اختلقت كذبة الرحيل والسفر لأغطي بها غيابك أمام نفسي، أقنعت كل جوارحي أنك رحلت لسبب أجهله وأنك ستعود. ظللت أكتب لك عن كل شيء، أخبرتك بكل شيء، نقلت إليك حزني وألمي وشوقي، سعادتي وأملي وحلمي، أخبرتك بلحظاتي التعيسة، ودونت لك عن تلك اللحظات الجميلة التي لن تتكرر، كنت معي في كل شيء، غضبت منك وفرحت لأجلك حتى وأنت بعيد. 

أصبحت كالمجنونة يا نيسان، أبرر لأصدقائي غيابك الذي طال، اختلق الأعذار وأحيك  لنفسي أمل عودتك. في البداية واجهني من حولي، حاولوا اقناعي بـأنك متّ، أحدهم قال لي أنك الآن في السماء تراقبني، قابلتهم بعنف، لعنتهم، شتمتهم، وصرخت في وجوههم، لم أعد أقدر على رؤيتهم، عيونهم تخبرني بما لا أريد أن أعرفه، كنت قاسية معهم، ولكني قسوت على نفسي أكثر.

لم أقدر على تصور الحياة بدونك، ولكني الآن لا أستطيع الاستمرار وأنا أدعي وجودك. حتى وإن كانت مراسلتك هي متعتي الوحيدة مؤخرا، حتى وإن كان البوح لك هو ملجئي  في أكثر أوقاتي حزناً، أنت لست هنا! مهما حاولت أن أفعل فأنت لن تعود! لن أنجح في بث الروح بجسدك الذي سقط أمامي، روحك لازالت قربي وإليها اليوم أبعث حبي، وشوقي، وحزني وحزني وحزني..

لن أعد أحداً أني سأكون على ما يرام قريبا، كل شيء لن يكون بخير لفترة من الزمن، لن أكتب لك بعد اليوم فروحك تعلم عني كل شيء.

نيسان يا وجعي,, اغفر لي حماقاتي التي ارتكبتها لأجلك.




Tuesday, August 27, 2013

في محاولة سرد الحدث

نيسان البعيد 

كان من المفترض أن تصلك هذه الرسالة البارحة، ولكني لم استطع أن أكملها، لم أتمكن من كتابة رسالة واضحة أخبرك فيها عمّا يجول في خاطري، كتبت الكثير وتراجعت عنه، لم أدري كيف أصوغ لك ما حدث وما كان يجب أن يحدث وما أردته أنا أن يحدث بلغة يمكنك فهمها، اليوم سأبعث لك محاولاتي  في الكتابة، سأبعث لك ارتباكي وخوفي وعجزي وغضبي وحزني وحقدي..
سيناريو:
استيقظُت البارحة على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، على إثر مواجهات دارت بين شباب المخيم وجيش الاحتلال بعد اقتحامه للمخيم بهدف اعتقال أحد المطاردين فيه. للوهلة الأولى لم أدري ماذا أفعل، شعرت بالعجز، وبأني بعيدة عن الحدث بمقدار قربي منه.  حملت هاتفي بشكل تلقائي لأخبر من أتمكن من اخباره من الأصدقاء بالخبر المفجع، انتشر الخبرسريعاً، ووصلتني عدة مكالمات  لنفس السبب. اتفقنا على أن نلتقي في مستشفى رام الله لنخرج بعدها في جنازة الشهداء، فهذا أقل ما يمكن فعله.
وصلنا إلى المستفشى في نفس الوقت وبدون ترتيب، كل من أعرفهم هناك، الوجوه شاحبة وغاضبة، وبمجرد تبادلنا للنظرات عرفنا أن خروجنا في الجنازة لن يكفي...

في محاولة سرد الحدث (1)
ما حصل اليوم هو أنني استيقظت فعلاً على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، شعرت بغصة استمرت حتى اخر النهار، شعرت بالعجز، لم أدري ما الذي يجب أن افعله، وفي الحقيقة سيطر عليّ هذا الشعور ولم أفعل شيئاً.، لم أذهب للمشفى ولم احضر الجنازة، وهذا لا يعني أن أحداً لم يذهب، ولكننا لم نكن كثر، لم تتح لنا الفرصة لتبادل النظرات بصمت لندرك أن ما حصل اليوم لن يمر مرور الكرام.

تابع للسيناريو:
أمدّنا المشهد الغاضب في الجنازة بطاقة رهيبة، وأودعت فينا الأمهات اللواتي وقفن يودعن أولادهن رغبة جامحة في الثأر، لم نكن نعرف ما الذي سنفعله ولكننا كنّا على يقين بأننا سنفعل شيئا.
اجتمعنا في مكان نجتمع فيه عادة لترتيب بعض الفعاليات، ناقشنا سوية ما الذي يمكننا فعله لنثأر لدماء الشهداء، كل منا لديه ما يقوله بشأن من يتحمل مسؤلية هذا الصمت الشعبي القاتل، علت أصواتنا وشتمنا بعضنا، خيم الصمت لوهلة، تكلم أحدنا بصوت منخفض فالتفت الجميع إليه، بكلماته المتزنة عدنا بدورنا لحالة التوازن، ارتفع صوته فدب فينا الحماس، تقافزت الأفكار هنا وهناك، كلٌ التقط فكرته وبدأ بتنفيذها، غدا ستفيق المدينة على مشهد يليق بالشهداء.

في محاولة سرد الحدث (2)
معظمنا التزم بيته اليوم (ولم يحدث ما تخيلته في السطور السابقة)، ولم نشارك في الجنازة، لم نسمع صراخ الأمهات وبكائهن، لم نحتفي بصوت الرصاص الذي زف الشهداء، ولم نرى الغضب.  بقينا في منازلنا متسمرين خلف الشاشة اللعينة، نبكي قليلاً، ونشتم من يستحق الشتم، ونشعر بالعار يحيط بنا أينما التفتنا. لو لم يختزل هذا العالم الافتراضي كل شيء لو لم يجلعنا نتقمص الثورة والحزن والغضب والشجاعة، لو أننا لا نمتلك هذه الفسحة الوهمية، لكان الشارع منزلنا الآن، لما كنا رضينا أن يمر اليوم بسلام، لا أدري ماذا يفيد التمني، ولا أدري إن كنت أبرر خيبتنا!
زُفَّ الشهداء إلى مقبرة مخيم قلنديا من داخل المخيم بعد أن منعت أجهزة  الأمن الفلسطينية أي مظهر جنائزي داخل مدينة رام الله، عاشت المدينة لأجل ذلك فترة ظهيرة طبيعية بدون أن يعكر أي شيء صفو الحياة فيها! لم تبث أي قناة تلفزيونية فلسطينية مراسم الدفن والتشييع وكأن شيئا لم يكن، وحدها قناة الأقصى اهتمت بالحدث فخصصت موجة مفتوحة لمتابعة اخبار اقتحام المخيم ونقلت الجنازة، ولكنها  لم تتوانى في استغلال دماء الشهداء لتمرير رسائلها السياسية. في وقت متأخر من النهار أغلقت المحلات التجارية في مدينة رام الله "بالخاوة"، حيث قام مجموعة من الشباب بإعلان الحداد على أرواح الشهداء، مجبرين أصحاب المحلات التجارية على اغلاق محالهم.
 في المخيم كل شيء بدا مختلف، الأزقة التي شهدت المواجهات الشرسة بدت اليوم أكثر فخراً، أسوار البيوت في المخيم والتي هدمها أصحابها لإن الحجارة في المخيم لم تكن كافية أثناء المواجهات،  بدت اليوم أجمل من أي وقت مضى. مقبرة الشهداء في مخيم قلنديا احتضنت الأبطال على وقع زخات الرصاص، ولا بد أنها الآن تبذل ما في وسعها لاحتضان أجسادهم الراقدة تحت التراب ريثما ترقد أرواحهم التي تطالب بالثأر. 
انتهى هذا اليوم الدامي، وسننام نحن بعد أن نمل من متابعة ما يكتبه الأخرون على الفيسبوك، سنغمض أعيننا المتعبة من النظر إلى الشاشة المضيئة، سنغرق في نوم عميق نستفيق منه إلى سبات أعمق.
بينما نحن نيام وفي مكان ليس بالبعيد أبدا، هناك في قلنديا، عيون كثيرة أدماها الحزن، ولم تعد ترى من كثرة البكاء، لن تستطيع النوم. هذه العيون ستبقى تحرس الأسرّة الفارغة، لن تغرق في سبات مثلنا ستبقى تنتظر عودة من غابوا!!


أما أنا يا نيسان نمت وأنا أحلم بنا نثأر لأرواح الشهداء، نمت وأنا أتخيل هذا العالم كيف كان سيبدو بدون مساحات التعبير الوهمية التي أصبحنا عبيداً لها، نمت وأنا أحلم بالمدينة تبدو كمدينة فقدت ثلاثة من أبنائها، يا لسذاجتي ويا لعمق الشعور بالعجز داخلي! لم يبقى شيء أخبرك به، هذا كل ما خطر ببالي يوم أمس وصباح اليوم. 

كن بخير

صديقتك يا نيسان

Monday, August 19, 2013

اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر

نيسان 

كان هذا المساء قاتماً بما يكفي ليدفعني للكتابة إليك، لا بد أنها المرة الأولى التي لا أشعر فيها أن شوقي إليك يطغى على كل شيء حولي، يبدو وأن وجعاً يرافقني مؤخراً كان كفيلاً  باطفاء بعض من الشوق داخلي.

"اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر" هي جملة اعتادت أن تكتبها إحدى صديقاتي على صفحتها الشخصية على الفيسبوك، في البداية لم أكن أدري عن ماذا تتحدث، كيف لنا أن نعشق وطناً يلفظنا خارجه؟ كيف لنا أن نحلم بالمكان وهو يضيق بنا؟ لماذا يجب أن نعشق إلى حد الاختناق؟ ألا يمكننا أن نحب الوطن بسعادة كتلك التي ترافق المحبين؟ لم أستطع أن أجد منطقا في جملتها التي تكررت كثيراً أمامي، حتى جائت اللحظة التي اختنقت فيها حباً ووجعاً وحلماً! بعد ذلك فَهِمْت، وبِتُّ أعتقد أن لا أحد يحب الوطن إلا إذا شعر بالاختناق!

 ولتفهم ما أقوله أكثر: الذي لا يرى وجع الوطن فهو لا يرى الوطن. ومن يمشي في شوارع " رام الله\ العاصمة" الضيقة رغم اتساعها دون أن يشعر بسذاجة فكرة أنه يمشي الآن، فهو واقع في حب الدولة، ولا يدري ما هو الوطن أصلا. من ينظر إلى السماء دون أن يشاهد حزن الأرض، فهو حتما لا يرى بقلبه. من يستنشق النسيم البارد ولا تراوده فكرة أن يتشبث به ويرحل معه، فهو حتماً ليس بعاشق ولن يكون يوماً!

يوجعنا حب الوطن، يوجعنا لإنه لم يعد قادراً على احتضاننا، يوجعنا لإننا لم نعد جدرين بامتلاكه، يوجعننا لإننا أمامه نشعر بضعفنا وعجزنا، يوجعنا لإنه يسلب الجنون منا. ويوجعنا الوطن لإنه ضاق بنا، ووضعنا أمام خيار الرحيل الذي لا نحبه! يا إلهي كم هي مخيفة فكرة الرحيل! مرعبة! لمن سنتركه إن رحلنا؟ وأين سنذهب بأرواحنا المعلقة به؟ من سنكون بعيدين عنه؟

في سرّي أفضل أن أحبه حد الإختناق، وفي سرّي أرغب بالرحيل فلم يعد هنالك ما يكفي من الهواء، وفي سرّي أحبه وألعنه وألعن نفسي التي ضاقت بها البلاد، ألعن قلبي الضعيف الذي لم يعد يقدر على احتمال المزيد، وألعن الحلم والأمل اللذان يتجددان داخلي. ولكن.. هو الوطن يدفعنا للرحيل، يطردنا بعيداً عنه، يسكننا حد الامتلاء، يعاقبنا، ويمنحنا لحظات من الجنون، يهدينا انكساراته، يصيبنا بعدوى الأمل، يزرع فينا الحزن، ويخنقناااا، وأحبه حد الاختناق، وأهتف كلما ضاقت بي سبل العيش هنا "اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر".

ارجع يا نيسان، لا أريد أن أفقدك للأبد، لا أريد لوجهك أن يصبح صامتاً، لا أريد لقلبي أن يقسو عليك أكثر.


صديقتك المختنقة بحب الوطن


Saturday, August 10, 2013

الامل حلم ليس أكثر

عزيزي نيسان

أكتب لك اليوم وأنا أختنق بالحروف التي تصيغ هذه الرسالة، لم تعد تراودني تلك الرغبة الجامحة في الكتابة، ولم أعد أمتلك ما يكفي من القوة للبوح دون الانخراط في مزيج من البكاء والحزن، لست تعيسة كما يبدو لك ولكني تعبت من محاولات أن لا أصل إلى التعاسة. فيما مضى كنت  فتاة كئيبة متشائمة، تتقزز من الأمل، ولربما تحتقر المتفائلين، ترى أن الحياة انتهت، وأن لا جدوى من ادعاء السعادة أو محاولة الوصول إليها. لا أدري أيُّ مسٍّ أصابني فتغيرتُّ بالرغم من أن كل شيء  حولي أصبح أسوأ، لن أقول أنني اصبحت سعيدة أنشر الابتسامات وأزرع الأمل، إلا أنني وبدون شك غدوت فتاة حالمة! 

ياه ما الذي يمكن لفتاة تمتلك حلماً، وتدرك أنها تمتلكه أن تفعل. لا بد أن بمقدورها تغيير العالم من حولها! وأنا لا خيار لي..  إن مات الحلم سأموت معه، سأغادر هذه العلم المجحف، فلا حياة فيه بدون أمل، والأمل حلم ليس أكثر.

لا أتكلم عن الأحلام البلهاء التي تبيعها لنا وسائل الإعلام المزركشة، لا أتكلم عن أحلام الفتيات في قصص الحب ومغامرات الغرام، لا أتخيل شاباً وسيماً وفستاناً أبيضاً، والكثير من الورود الحمراء المبعثرة حول بعض الشموع. ما أتكلم عنه  يا نيسان هو حياة وكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلها، ما يجول بخاطري الآن لا يمكن تدوينه، لا يمكنني اختزاله ببعض الكلمات أو حتى بالكثير منها. لم أبنِ أحلامي هنالك فوق غيمات السماء التي لا بد وأن تبعثرها الرياح، لم أهرب من الواقع ولم أنفصل عنه، ولكني وجدت لنفسي حلماً أعرف أن تحقيقه صعب، أعلم جيداً أنني سأبكي كثيراً بسببه، أن الكثير من الوجع سيرافقني؛ ولكن إن كان لا بد من أن نستمر على هذا الكوكب المقيت فيجب على كل واحد منا أن يجد حلمه الذي سيوصله بالنهاية إلى نفسه.


قالت لي ان بيتنا في تونس سيشبه هذا البيت!ابتسمت، تخيلت البيت ونوافذه، غرفتي المليئة بالكتب وقصاصات الورق المبعثرة، رأيت الطريق الضيق الذي يوصلنا للبيت، رأيت السماء تحتضن القمر الذي طالما حلمت به، رأيتنا نخرج صباحاً من المنزل تصرخ إحدانا على الأخرى لإاننا تأخرنا، رأيتنا نعود للبيت تسبقنا ضحكاتنا وخطواتنا الفرحة، رأيت الحزن والفرح، رأيت النجاحات وبعض الاخفاقات، رأيتني أعيش الجنون بحب لا مثيل له. وها أنا عدت من بيتنا في تونس.. من شاشة الكومبيوتر.. من الصورة التي أرسلَتها صديقتي مبتسمة "بيتنا في تونس رح يشبه هاد :)"، عدت لأكمل الرسالة ولكن الحلم رافقني اليك.

لا أدري يا نيسان أي أمل يمكنه أن ينتشلنا من عمق الوجع، لا أدري أي حلم يمكنه أن يحملنا إلى أنفسنا، ولكن الكثير من الوجع لن يمنعني من أن أحتفظ بالكثير من الابتسامات لي ولمن حولي، الكثير من الوجع يعني أننا ما زلنا على قيد الحياة، ويعني أن الحلم وطن وحياة والكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلهما.

صديقتك الحالمة.

Monday, July 22, 2013

اسمك نيسان

نيسان الذي لا يعرفه أحد غيري 

لم أخبر الكثيرين عنك، لم أجد لذلك ضرورة من قبل، ولكنّي فيما بعد أصبحت مضطرة لمواجهة الكثير من الأسئلة، من أنت؟ ما هو سر اسمك؟ أين ذهبت؟ وكيف رحلت؟ ولماذا لازلت أراسل شخصاً لا أعرف عنه شيئا بعد أن غادر دون أن يترك أثر؟ 
أخبرهم أنك صديقي الذي رحل ولم يترك إلا الغياب، أخبرهم أنه بمقدوري أن أمنح كل هذا الحب لصديق فقط، أخبرهم أنك لم تكن مجنوناً بالقدر الكافي لأحبك!
كنت في البداية أرتبك، تحمر وجنتاي، تختفي عيناي لتبحث عنك  في أسئلتهم، ماذا أقول لهم  وأنا أعلم أنهم يخفون الكثير خلف ضحكاتهم، كيف أخبرهم أن السر في الاسم وحده، الاسم الذي يمتزج فيه  الفرح والحلم والأمل، الاسم الذي يحمل ذلك القدر من التعاسة والخوف والتردد، كيف أخبرهم أن اسمك ربطني بك للأبد، لا يهم ان رحلت أو بقيت بقربي، ولا يهمني ان كنت لي صديقاً أو حبيباً؛ ففي النهاية اسمك نيسان!

في كثير من الأحيان شعورنا بالعجز يجعلنا عاجزين فعلا، وننسى أن بمقدور صوتنا المرتعش أن يهز جدران الخوف المحيطة بنا، هو الصمت فقط ما قد يقتلنا، لن تقتلنا الخيانات، ولن يقتلنا الحزن، لن تميتنا الحوادث الأكثر بؤساً، لن تغيّبنا مشاهد الهزيمة، وحده الصمت كفيل بقتل أرواحنا وسلب وجودنا.

لا أستطيع أن أخبرك بالأفكار التي تدور في رأسي، أنا حتى لا استطيع فهمها! ولا يمكنني أن أصف لك الحالة التي وصلنا إليها في رسالة  واحدة أو حتى في عشر رسائل. كيف لي أن أنقل لك المجهول الذي نعيشه، وحالة اللامبالاة التي أصبحت جزء من اليومي هنُا. قذارة السياسين لن تحتملها أوراقي، بذاءة أفعالهم لن أقدر على صياغتها بكلمات من الحروف التي نعرفها، ولكني مع هذا لا أريد أن أصمت فالصمت عار وهزيمة.
غريبة هي هذه الرسالة، لم أشعر حتى أني اقتربت من السبب الذي دفعني لكتابتها، أظن أن فكرة الكتابة وحدها لم تعد تكفي، وأن البوح لم يعد يحررني من عبئ الكلمات التي لم تقال، ولكني مع هذا سأكتب لك إلى أن تعود.

صديقتك يا نيسان

Saturday, July 13, 2013

# انتفاضة

نيسان،

عندما أصبحت موقنة بأنك لن تعود، أصبح شوقي للكتابة اليك أكبر من شوقي لرؤيتك والحديث معك. ولكني بت أخشى أن أكتب فلا تصلك رسائلي، أن أبوح لك دون أن تعلم أني فعلت، بت أخشى على رسائلي من أن تضل طريقها إليك فتذهب إلى أحد غيرك، بت أخاف أن تحبها أكثر مني، أن تشتاق لها بدلاً من أن تشتاق لي، أن تنتظر وصولها بدلاً من أن تفكر في العودة.

كل هذه المخاوف لا تساوي شيئأ أمام رغبتي في الرحيل، يبدو أن المكان قد ضاق بنا كثيراً، لم يعد يحتمل منا المزيد من البؤس فلفظنا خارج رحمته! في السابق كان أيُّ شيء يمسح عني الحزن ويخرجني من الضياع ويعيدني إلى نفسي. كان يكفيني أن ألمس جذع شجرة أمر عنها كل يوم، لأشعر أنني أنتمي إليها؛ هي التي تنتمي إلى رحم هذه الأرض. وكانت نسمة هواء باردة كفيلة بأن تذكرني أنه لا يمكن أن أختنق ما دمت أستنشق هواء الوطن، هذا الهواء الذي يُخبرنا بقصة كل رائحة نستنشقها إذا أصغينا إليه جيداً.

يحدث أن يصبح الوطن ضيقاً فنعشقه أكثر! ولأننا نخاف عليه منا، من قسوتنا ولا مبالاتنا، ولإننا نخاف على أنفسنا من حُمىً قد تصيبنا إثر عشقنا لمكان لم يعد يتسع لقلوبنا ولهذا القدر من الحب، ومن لوعة قد تحرمنا من أن نكون أنفسنا في المكان الوحيد الذي يمكننا أن نكون فيه "نحن"؛ لهذا تجتاحنا هواجس البقاء ونوبات الرحيل.

عندما رحلتَ لم تلتفت للوراء، ويبدو أنك لا تفكر في العودة أبدا. قل لي كيف هو الرحيل؟ من أنت الآن وكيف تخاطب نفسك؟ ماذا ترى عندما تنظر في المرآة؟ هل ما يزال في عينيك بريق كالذي كان عندما كنت تصمت طويلا لتخرج منك تنهيدة عميقة تنظر بعدها في عيني وتقول:  "الوطن في القلب هون (وتضرب على صدرك بعنف) وما حد بقدر ينتزعه من قلبي، وجع الوطن وجعي".. هل ما زال وجع الوطن وجعك؟ أعرف أن أسئلتي قاسية ولربما غبية، ولكن بقي سؤال واحد لا بد منه، ما الذي حل بقلبك يا نيسان؟ أقلب بدون وطن يمكنه أن ينبض؟!
أجلد نفسي وألومها لإني صمتُّ وتركتك ترحل بدون أن أصرخ في وجهك: "وقف.. والوطن إلي كنت تحكي عنه!!"

قبل قرابة أسبوع وقف شاب يحمل لافتة كتب عليها ( #انتفاضة ) على دوار المنارة في مدينة رام الله، لربما كان يفكر بينه وبين نفسه بجدوى الذي يفعله، وماذا يمكن أن يفعل بدلاً عنه. لاحقاً، بعد أن تحدثت إلى الشاب الذي أثارت فعلته بلبلة في مجتمعنا الذي يبرع في الانتقاد أكثر من أي شيء آخر، قررت أن أحدثك عنه وأصفه لك، وأنقل إليك فكرته ورسالته، لربما تستعيد بعضاً من الذي ضاع منك.

ملثماً بكوفية لا تظهر من وجهه إلا عينان بالرغم من التعب الذي يبدو عليهما، إلا أنهما تشتعلان غضباً وعشقا، ومنتصباً رافعاً رأسه نحو السماء، كان الشاب يستذكر آلاف الشهداء الذين لا يعرفهم، يفكر بمئات الأسرى الذين لا يأتي على ذكرهم أحد (لا بد أن الوطن أصبح ضيقاً عليه أيضاً فأخرج للبحث عن فسحة أمل قبل أن تستولي عليه فكرة الرحيل). لم يدعو بوقفته هذه  إلى اقامة انتفاضة فلسطينية ثالثة، فهو ليس ساذجاً ويعرف جيداً أن الانتفاضة تأتي لوحدها لعنة على الاحتلال؛ ولا تطلب من أحد. كل ما أراده أن تعود روح الانتفاضة إلى الشارع الفلسطيني الذي ينكر حالة الاستعمار الذي يعيشها، أن نخرج في جنازة شهيد لا نعرفه، أن نهتف باسم أسير قبل أن نزفه شهيداً، أن يسكننا الوطن كما نسكنه، أن نخلق أدوات الحرب بأيدنا، أن نطرد اليأس من عقولنا، وندفن الخوف الذي بات يرافقنا، أن نواجه قدرنا بشجاعة بدلأ من أن نهرب منه إليه. 

تحمس كثيرون للفكرة وتداولوها على صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بهم، تبناها آخرون وخرجو بعد يومين ملثمين في مظاهرة على دوار المنارة، توجهو بعدها إلى سجن عوفر العسكري ليترجمو كلمة (#انتفاضة) كما فهموها، (هنالك هم بين قنابل الغاز والحجارة المتطايرة أقرب إلى أنفسهم أكثر من أي مكان آخر)، فيما استسخف آخرون (وهم كثر) الفكرة بل ولعنو صاحبها.

بقي أن أقول لك أن صديقي الملثم أنهى كلامه بابتسامة لا مثيل لها  وقال:  "الإنتفاضة يعني إنك ترجع تتصرف على إنك فلسطيني!"، وأن مشهد الملثم يجوب شوارع مدينة رام الله قد استفز أجهزة ورجالات الأمن الفلسطيني، وأن (#انتفاضة) لم تنتهي بعد فهنالك عدة جولات أخرى، إحداها ستكون أمام محقق المخابرات الفلسطينية يوم الثلاثاء القادم، فصديقنا حصل على تبليغ رسمي يوم أمس!

صديقتك من تؤرقها هواجس البقاء ونوبات الرحيل

Sunday, May 26, 2013

طردنا الجند وطاردنا

نيسان..

مرت أربعة أشهر على غيابك، أشياء كثيرة تغيرت وأخرى بقيت على حالها، أما أنا فلم أعد أعرف ما الذي تغير فيّ وما الذي بقي على حاله، أحتاج الجرأة  لمصارحة نفسي وإعادة اكتشافها من جديد، وأحتاج المزيد من الجرأة لمحاسبتها على الحماقات التي ترتكبها.
 هل ما زلت مهتماً بسماع كل هذا؟ هل بقي في قلبك متسع لأحاديثي الطويلة؟ وهل لديك ما تخبرني به بعد كل هذا الغياب؟! أنا لدي الكثير لأقوله ولم أعد أنتظر منك الرد، أظن أني سأكتفي بالكتابة إليك لعلك تعود يوماً وتخبرني لماذا رحلت!

سأخبرك اليوم عن جدتي.. جدتي التي  لم يبقَ لي من ذكراها إلا دموع  الأم في عينيها، وضحكتها التي يقولون أنها تشبه ضحكتي، أكتب لك اليوم عنها بعد أن نسيت صورتها، لا بد أن وجع الوطن أحياها داخلي.
كنت صغيرة عندما رَحَلت،  لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت أحدهم، فقط شعرت أنني يجب أن أكون حزينة، لا أدري ما الذي يعنيه الحزن لطفلة في السابعة، أذكر فقط أن قلبي كان ضيقاً يومها. جدتي لم تحلم بالكثير، لم يكن لديها الوقت لتحلم، لم تمتلك قطعة من السماء لتنثر عليها نجوم قلبها، أحزنها حزن الأخرين، وأثقلتها جراح الوطن، وقضت وهي تحلم بالطابون والحاكورة والبيدر، وبرؤية ابنها دون أن تحجب  قضبان الأسر تفاصيل وجهه.



شاء القدر أن تنجب جدتي توأماً قبل حرب حزيران (1967) بعشرين يوم، وشاء القدر أن تحمل رضيعيها وتسير بهما من قرية إلى قرية حتى تصل مدينة رام الله، منهكة القلب مفرغة الفؤاد. شاء القدر أن يرافق ذكرى ميلاد أبي وعمي ذكرى اللجوء ومرارة التهجير، وشاء القدر أن تروي جدتي قصة الطابون والحاكورة والبيدر لولديها كل عام في يوم ميلادهما.

 هي لم تكن تنوي الرحيل رغم الشقاء، لم تكن تريد أن تترك القرية ولا الأرض ولا دجاجاتها، لم تكن تريد أن تفوّت موسم الحصاد، لم تتذمر يوماً من العمل في الحقل، لم تكن تنوي مواجهة جدي بكسله وقسوته، لم تفكر يوماً بالصراخ في وجهه "ماذا تفعل أنت غير الجلوس في القهوة طوال اليوم! ماذا سيفيدنا حديثك في السياسة مع رجال القرية من الصباح حتى المساء؟ لماذا يجب أن ننتظر جيوش الآخرين لتحمي بيوتنا يا رجل!"

باختصار في قديم الزمان كان لنا أرض وبيدر، كانت لدينا دجاجات كثر تحبهن جدتي كأولادها، وكان لدى جدي قهوة يجلس فيها طوال اليوم (يعمل)، بينما تنهض جدتي باكراً.. تذهب للأرض.. تعتني بالزرع.. تخاطبه.. وتحنو عليه لينمو.. تعود للبيت.. تعد الطعام.. وتخبز على الطابون لها ولجاراتها اللواتي يحسدنها، لإن في القرية لا يوجد كخبزها؛ لا أحد يعرف سر خبز الطابون ذاك، وحدها جدتي التي كانت تبتسم كلما سألها أحد عن سرها.. وحدها كانت تعلم.

في الخامس من حزيران من العام 1967 اجتاح الجيش الإسرائيلي قرى اللطرون الثلاث (عمواس، يالو، بيت نوبا)، جدتي لم تتخيل يوماً أنها خلقت للرحيل، ولو أنها كانت "رجلاً" لحملت فأساً وحرست القرية ليلاً، ولم تنتظر إذناً من أحد. جدتي البسيطة بطبعها، أرادت أن تحمل معها "الراديو" لتعرف متى ستعود للدار، اقترحت على جدي أن تترك أحد التوأمين عند والده الذي رفض مغادرة القرية، لتتمكن من حمل "الراديو" فهي لن تطيق انتظار موعد العودة كثيراً! لا أدري بماذا كانت تفكر حينها، ولكني على يقين بأن فكرة الضياع ذهبت بها بعيدا، بحيث لم تعد تدري ماذا تفعل.

جدتي وأطفالها السبعة وباقي الأهالي طردوا من القرية، ورحلوا سيراً على الأقدام. كلما توقفوا في مكان قريب أو في محيط القرية، كانت تحملهم آليات الجند وترمي بهم بعيداَ، هكذا حتى وصل بعضهم لحدود الأردن وبعضهم الآخر لمدينة رام الله. لن أصف لك رحلة التهجير ولا قسوة اللجوء، ولا كيف أصبحت الخيمة بيتاً من طوب، ولا كيف بنى جدي منزلاً فيما بعد، لا بد وأن في مخيلتك بعضاً من هذه الصور. النكسة يا نسيان نكبة أخرى، تهجير آخر، نحن لم "ننزح"، لقد طَرَدَنا الجند وطاردنا.

في الخامس عشر من نيسان من العام 1998 قضت جدتي نحبها في مشفى رام الله الحكومي، وهي تهذي باسم والدي الذي كان في السجن حينها، لم تكن تريد من الدنيا شيئاً بعد، إلا أن ترى ولدها وتضمه إلى صدرها، وتنشد له بعضاً من أهازيجها، وتطبع على جبينه قبلة هي الأروع من بين القبل. 

ملاحظة: كل القصة حقيقية، حتى ما أخبرتك به بشأن "الراديو"، وستي اسمها الحجة صفية إم محمد، وكانت زغروتتها الأقوى بين النساء، وضحكتها الأجمل بينهن، وقبل أن تموت بعام واحد تسللت لقريتنا "بيت نوبا" قبلت التراب وعادت تحمل بعضاً منه.

صديقتك التي أورثتها جدتها ضحكتها العالية