Saturday, April 2, 2016

إنه الأول من نيسان

نيسان..

اشتقت لاسمك، نيسان، اشتقت لصوت الحروف يتقافز في رأسي ويلهو به، اشتقت لقلبي يهمس نيسان كلما اشتدت به الصعاب. أي شوق هذا الذي حملتني إياه ورحلت؟ أي لعنة انت؟ كل شيء حولي تبدل، قلبي لم يعد هو الذي عهدته، صوتي لم يعد هو نفسه، عيوني  أصبحت عيوناً عتيقة، عتيقة جداً. ضحكتي تغيرت رنتها، ولكن شوقي إليك لم يذهب، شوقي إليك اضحى عفريتاً يسكن جسدي؛ من رأسي حتى أطرافي. عندما أحرّك يدي بإتجاه رقبتي يسقط بعض الشوق منها، أراه يتناثر حولي فتُصيبني نوبة من الذهول أو التبلد، أعود إليك، لأيامك الأولى، أعود لاسمك، اسمك أول ماعرفته فيك وأول ما عشته معك. أنا اليوم ثقيلة، أورَثتني ما لا أستطيع ادراكه، كيف يمكن أن أكون وفية لاسمك وأنا لطيلة بعدك عني أصبحت أشتاق اليه.

قد نحب أحدهم، وبعد سنة، سنتين أو أكثر، نكتشف أننا وقعنا في فخ الحضور الأول الذي يمنحنا اياه الحب، التناقضات الأولى، الاختلافات الأولى، لذة أن نكون مع آخر قد لا يشبهنا أبداً أو لربما يشبهنا حدّ الملل. خلال سنوات الحب هذه تتخلق داخلنا عوالم قد لا نستطيع التخلص منها أبدا. وبعد أن نخرج من علاقة مع أحدهم نكتشف تعويذة خطها الحب فوق قلوبنا، ولن نعرف كيف نقرأها، كيف نتخلص منها، كيف نزيل أثرها، تعويذتك كانت اسمك. باسمك أصبحت ثقيلة جدا، أريد أن أشارك أحداً ما لعنتي، ولكن كيف لي وأنا عاهدتك أن أبقى وفية لك؟! أحاول أن أتخطاها، أتخطاك انت، أن أتجاوز اسمك، ولكني في كل مرة أتوقف عن الكتابة إليك، عن التخلص من لعنتك، أراني، أخرج منها إليها.

اليوم تمنيت أن اكون نوتة، نوتة في لحن ما، لربما لحن قديم، من دنده لأول مرة مات من فرط النشوة به. وبعدها تخلّق فوق شفاه فتاة من شدة حزنها دندته ورحلت. لحن قديم نسيه الناس لألف عام أو أكثر، فجاء شاب عاشق وعزفه ليلاً فتنهدت كل كائنات الكوكب بذات اللحظة فمسه الخوف وتوقف عن العزف للأبد. هل سأكون جميلة إن كنت نوتة؟ هل ستعهد لي باسمك لأحفظه لحناً واغنية ورقصاً؟ هل ستسكنني بين شفتيك؟ وستقول لي استريحي على طرف شفتي السفلى، وإذا شعرتِ بضيق الكوكب تعالي لأحفطك أغنية في قلبي؟ أغنية أكون أنا نوتتها الوحيدة. اليوم تمنيت أن أكون نوتة، لإني أعرف أن الأغاني يمكنها تحلق في الفضاء لتطمئن على أحبائنا الذين رحلوا عنا، وتعود لترقد على صوت نبضنا بعد أن يسكن. وأنا إن كنت نوتة يا نيسان سأستطيع الوصول إليك، وعندها سأهمس في أذنك، عد يا نيسان، كيفما شئت عد!

هذا ما كتبته لك ليلة البارحة، كتبت إليك بكل ما اوتيت من حزن، ورقدت فوق قلبي لعله يتوقف عن النبض شوقا فاستريح. ما كان يجب أن أسكبك فوق الورق قبل أن أنام. بفعلتي هذه دعوتك لتسكنني ليلا، ولتظهر لي في المرآة صباحا، لتقف أمامي وأنا أسرح شعري، وتهمس في أذني: "لو لم يكن شعرك اسوداً لما استطعت الاختباء فيه ليلا، لما استطعت الوصول اليكِ". أغمض عيني بقوة وافتحهما بسرعة فتسقط أنت منهما، تنهض مسرعاً وتعبر من خلال المرآة وتختفي، وتترك لي اسمك. أقلبه بين كفي، ألمسه بأطراف أصابعي، وارتديه بسمة تعينيني على مواجهة حقيقة انه يجب أن أستمر بالرغم من كل شيء، بسمة تداعب شفتاي عندما يصيبني اليأس على حين غرة، أرتديه سواداً تحت عيني، وألتحفه ظلاً لكي لا يتوه ظلي عني.

طَلْ وسَألني اذا نيسان دق الباب.. 

إنه الأول من نيسان، أنت لم تأتِ بالطبع، وأنا لم أنتظر قدومك، لم يسألني عنك اصدقائي، وإنما احتفلو بك، سواء عدت أم لم تعد فأنت تعيش بيننا. قصتك التي لا أملُّ من روايتها تمنحني ومن حولي القوة لنحكي قصصنا، ولنسمع قصص الآخرين. حديثي إليك يبث فيَّ الأمل، ليس ذلك الأمل الزائف الذي يوهمنا بأن الحياة لن تحمل لنا المزيد من الألم مجددا، وإنما هو الأمل بأن نعيش حياة سنكون فخورين بها عندما يسألنا أبناؤنا عنها. 

إلى الأصدقاء، أصدقائي وأصدقاء نيسان: نَجوْنا بالكتابة، وسننجو بها 

اكتبو قصصكم عن أحبائكم يا أصدقاء، اكتبوا لهم وعنهم، احكوا لنا عمن رحلوا، من كان يجب أن نعرفهم لكن حماقات الكوكب أخذتهم بعيدا. اكتبوا عن شوقكم وأرسلوه لهم دمعة أو بسمة أو لحناً حرا. اكتبوا عن حزنكم، لا تخجلوا منه فهو أنبل ما فيكم. اكتبوا عن فرحكم المنقوص بدونهم، عن أحلامكم التي نذرتموها للشوق. اكتبوا لهم، للذين رحلوا بعيداً ولم تغب ذكراهم يوما. أخبروهم أن الحياة بعدهم تنقصها الكثير من الضحكات، وأن شوقكم لهم أصبح عادة كونية تشبه بزوغ الشمس كل فجر. أخبروهم عن أحوالكم، عن عالمكم الذي اختلف بعدهم. عن حياتكم التي سكنت، أو التي تغيرت فأصبحت غريبة حتى عنكم. شاركوهم لحظاتكم الأكثر حرجاً، أفكاركم الأكثر سذاجة، ابعثوا لهم أمنياتكم الصغيرة جدا. أحبوهم ولا تخفوا حبكم لهم، لا تخجلوا من الحديث عنه، ولا تحاولوا إنكاره على أنفسكم، واعرفوا دائما أنهم يبعثون لكم من يحرس أرواحكم ومن يحمي قلوبكم لكي لا تهرم من بعدهم. 

نيسان، بعدك على بالي ..


Wednesday, September 23, 2015

نيسان.. أنا اليوم بعيدة

نيسان يا كل الشوق، 

ما الذي يحدث حولنا، كم من المآسي سنشهد بعد؟! كم لقلوبنا أن تحتمل، وكيف لأرواحنا أن لا تصبح سوداء متشققة كالخشب المحترق؟ هذا العالم البشع بوسعه أن يكون أقسى، وبإمكانه أن يصبح أكثر وحشية، ونحن لم يعد بوسعنا أن نواجه كل هذا الألم بأمل قد يخذلنا يوماً ما، ولم يعد بوسعنا أن نتخيل أن ما يحزننا اليوم سيغدو سبباً يدفعنا للابتسام متمتمين لأنفسنا: "ياااه كم أصبحنا أقوياء". ستقول لي ما بالك تتحدثين كعجوز هرمة؟ وسأقول لك أيٌ منا لم تولد في داخله عجوز هرمة بعد؟! ستقول لي: ولكني عهدتك الأقوى وصاحبة الابتسامة الأعمق، ولطالما كانت عيونك تمتلك بريقاً يليق حتى بالحزن داخلك. وسأقول لك: أن السنوات الأخيرة قد تركت بداخلي حزناً يفوق ابتسامتي عمقا، حزناً يمكنه أن يطفئ بريق عينيّ كما تُطفئ شمعة تواجه نافذة مشرعة.

نعم نحن نواجه ظروف الحياة الصعبة بكل ما أوتينا من قوة، ونعم نحن نصنع معجازتنا الخاصة كل صباح، نعم ننهض من تحت الرماد ونواصل السير بعد أن ننفض ذُعرنا عن ملابسنا، ونسير بفخر، دائما نسير بفخر، لا يكسرنا الموت، ولا تُرهبنا المجازر البشعة، ولم ننهزم يوماً أمام الدم فهو قاتنا وزاد حقدنا. ولكننا يا صديقي قد ننهار أمام أول مشكلة عاطفية تواجهنا، ونقلع عن الأمل إذا ما سلبت منا الحياة عزيزا، تستنزفنا تفاصيل الحياة اليومية، ونعجز عن التعامل مع مشاكلنا العادية التافهة، ونفقد حكمتنا إذا تأخرنا عن موعد شرب القهوة في الصباح، ونلزم السرير متذرعين بأن حالة الطقس تشعرنا بالإكتئاب.

 في بعض الأحيان أشعر أنه لم  يبقَ لنا إلا أن نعلّق آمالنا وأحلام أطفالنا الذين لم يولدو بعد على أطراف الأغصان اليابسة في الطرقات التي نمشيها، وإن كنا نعلم جيداً أننا قد لا نراها مجددا. لربما يتشبث بها أحد غيرنا، ولربما تصير أحلامنا الصغيرة أمله، ولربما ترشده علاماتنا التي تركناها في طريقنا إلى طريقه التي ضل السبيل إليها.

قبل أسبوعين ذهبت لزيارة أخي محمد في سجن عوفر، لم تكن الزيارة هي رؤية وجه محمد وسماع صوته فحسب، أنا ذهبت لأعانق التحدي الذي كبر في عيني أخي وقد فعلت. قلب محمدٍ الذي أصبح بحجم الوطن قد خفق بنا عالياً لحظة رؤيته لنا، وقلبي أنا أصبح كالطفل الذي يختبئ خلف رداء أمه خشية أن يبعده أحد عنها. هذه ليست المرة الأولى التي أذهب فيها للزيارة ولكنها حتماً كانت مختلفة. كنت في السادسة من عمري عندما كان أبي يمضي أشهر السجن الإداري التي لا تنتهي في سجن مجدو، أذكر أننا كنا نستيقظ قبل أن تشرق الشمس، أستطيع أن أتذكر التفتيش والانتظار، يمكنني استرجاع بعض المشاهد حول شكل السجن وغرفة الزيارة والشبك الحديدي الذي لم يكن يسمح حتى لأصابعنا الصغيرة بالمرور من خلاله، ولكني مهما حاولت أعجز عن استحضار أي من المشاعر التي رافقتني أثناء زيارتي لأخي هذه المرة. لعلي لم أكن قد أدركت بعد أن الزيارة هي دموع الأمهات وغضبهنّ، هي شوقهنّ لرؤية عيون أولادهنّ، هي فخرهنّ، هي عظمة أرواحهنّ التي لا تغادرهنّ عندما يغادرنّ السجن بدون أبنائهنّ، وهي قلوبهنّ التي تخفق فرحاً وحزناً وشوقاً ولهفة في آن، هي انكسار أصواتهن أمام أصوات أولادهنّ القادمة من سماعة الهاتف، وهي إصرارهنّ على العودة مرة أخرى دون أن يفكرنّ حتى بأنهنّ تعبنّ. أعتقد أنهنّ لا يشغلن أنفسهنّ بالسؤال عن قبح العالم الذي أحضرنَّ أولادهنّ إليه، هنّ فقط فخورات لإنهن استطعنّ أن يكنَّ أمهات، أمهات رغماً عن كل شيء.

أنا الآن بعيدة، بعيدة عن كل ما اختبرته من مشاعر طوال السنين التي مضت، ما يرافقني اليوم مزيج غريب من كل شيء، خليط من الأحاسيس المألوفة وأخرى لا أدري كيف أصفها، أتسائل في كل يوم أي أثر سأتركه في هذه الدنيا، أي نور سينبعث من روحي إن صعدت للسماء وتركتني جسدا خاوياً يبكيه الأخرون ويوارون به حزنهم تحت التراب في مكان يخاف أن يزوره معظم البشر، يتعبني السؤال ويرهقني أنه لا يتركني ويبقى يدفعني نحو ما أجهله تماماً لعلي أجد جواباً أو لعل الجواب يجدني. لم أدعي يوماً أنني الأقوى، ولم أختر لنفسي طريقاً هي الأصعب، بالحقيقة أنا لم أمتلك الكثير من الخيارات في حياتي، كان يجب علي دائماً أن أكون قوية، أن لا أسمح لليأس بالتسلل داخلي، وكان يجب أن أمضي دون أن ألتفت للوراء. أؤمن تماماً أن لكل منا سبب لوجوده  في هذا العالم، وأن كل واحد منا يحمل ما يضيء له دربه ويحمل عنه روحه المثقلة بحزن الكوكب، في النهاية يا نيسان نحن لا نعيش في عالم بشع وقاسٍ لنموت هكذا دن أن نترك نوراً خلفنا.

لا بد أنك لاحظت أني لم أعد أشعر بالرغبة في الكتابة إليك كما في السابق، من يتعود الصمت يألفه يا نيسان، ومن يألف الصمت سيصعب عليه البوح، ويبدو أن الكتابة هذه المرة ستأخذني إلى عولم جديدة ومختلفة تماماً عن كل ما عشناه معاً. إلّا أن الكتابة إليك ستبقى في قلبي كما القُبلة الأولى، مضطرون نحن لتجاوزها ولكننا نحتفظ بابتسامتنا كلما عدنا إليها. هذا لا يعني أنها آخر مرة سأكتب لك فيها، ولكني حتماً لا أعدك بالكثير.

حتى ألقاك روحاً تحلق بروحي بعيدا، لك مني كل الحب.




Tuesday, March 31, 2015

سنهزم أنفسنا بأنفسنا

نيسان.. 

أنت اليوم في كل مكان حولي، اسمك يبدو حاضراً في كل شيء، يراك أصدقائي في وهج عيني، وأراك أنا بقلبي في نبضه وسكونه. أهو الشوق يا ترى؟ أم أنك حاضرُ فعلا؟ هل عدت لتحرسني؟ أم أنني أصبحت مجنونة تصيبني ذكراك بالحمى فأهذي باسمك وأراك لتبتسم لي كلما عبست الدنيا في وجهي!

متعبة جداً يا نسيان لكني سعيدة، نعم سعيدة ولربما أقولها للمرة الأولى منذ زمن، سعيدة لأني أعرف نفسي وأستطيع تمييزها، سعيدة لأني أعرف حلمي وأحمله معي فيحملني إليه، سعيدة لأني لم أستسلم لحزني ولم يهزمني غيابك، وسعيدة لأني متعبة! ومتعبة لأني لازلت حية! أن تشعر بالتعب يعني أنك لازلت تقاتل، وأنك لا زلت تحتفظ بشيء ما بداخلك لتخوض به المعارك التي وجدت نفسك مجبراً على خوضها كي لا تخسر نفسك. 

بداخلنا عوالم كثيرة، ويخيل لي أنها ستحتلنا في لحظة ضعف، هل تخيلت يوما أن تحتلك الأفكار التي يحملها رأسك الشقي؟ هل فكرت يوماً أن ما تؤمن به سينقلب عليك؟ وأن الأغاني التي تحفظها وأبيات الشعر التي حفرتها في ذهنك ستهوي بك إلى وادٍ سحيق، وأن تلك المقاطع الغير مفهومة من كتب الفلسفة والروايات والتي أجبرت نفسك على الاحتفاظ بها ستحاصر روحك وستطلب منها الرحيل بعيداً! حينها سيغدو قلبك جافاً بلا موسيقى ولا رقص، وعيناك فارغتان بدون اسم او معنى. بداخلنا عوالم كثيرة لا ندري أين بدأت ومن خلقها ولا نعلم أين ستنتهي، وبداخل قلوبنا ممالك من حزن وأخرى من خيال لا ندرك حجمها، وتسكننا أحلام لا ندري كيف آويناها داخلنا.
سنهزم أنفسنا بأنفسنا، ولذلك لا أحد يستطيع كسرنا، ولذلك أيضاً نحن لا نتراجع، ونبقى واقفين رغم أننا ظننا أن وجعنا قد أفقدنا القدرة على النهوض، نحتفظ بالضحكات ونحبها صاخبة، نتمسك بالابتسمات ونحبها عميقة وغاوية، وننشر بريق أعيننا كالنور ونحبه نقياً كصرخة طفلٍ لحظة ولادته، وذلك لإننا نعلم جيداً أنه لن يهزمنا أحد إلا نحن!

البارحة أخبرت صديقي أني أعتقد أننا فقدنا هويتنا وانتمائنا ولكننا لا نشعر بهذا، وأن تجاهلنا للمشاكل والأزمات التي يراها الآخرون جانبية وغير هامة، وتهميشنا لأفكارنا الصغيرة جعلنا غير قادرين على حل المشكلات الكبيرة ولم يعد بامكاننا مواجهة مشكلتنا الأساسية، ولذلك أصبحنا نبرع في اختلاق الخلافات والاختلافات لنشغل بها أنفسنا، صمت صديقي قليلا وسألني: "يعني أزمة هوية؟" ربما، أجبته ، لكن صدقني نحن لم نعد نعرف ما الذي  نريده.  

نيسان.. عندما كانت روحي تحترق بسببك كانت روحك تحلق بعيدا لا أدري إلى أين، وأغلب الظن أنك أنت نفسك لا تدري، وأصبحت أعقد أن روحك هجرتك وتركتك تواجه الأسئلة وحيدا. وبدونها أنا لا أعرفك، ولا يمكنني أراك من خلال عينيك، روحك كانت بريقهما وروحك كانت أنت، وهكذا كنت أعرفك!
قبل أن أنهي رسالتي يجب أن تعلم أنني عدت أنسج لنفسي قصص تحمل نهايات سعيدة وابتسامات كثيرة، وأن بعض من الكوابيس التي رافقتني لأكثر من عام ونصف رحلت الآن، وأني وعدت نفسي أن أزور البحر لعلي ألقاك هناك، سأذهب إليه وإن لم أجدك سأترك لك أغنية لعلها تعود بروحك إليك.




يوماً ما ستجيء إليّ، وسيكون حضورك كما غيابك

صديقتك التي أسعدها التعب

Thursday, February 12, 2015

متأخرة بخطوة واحدة

نيسان،

ينقصني الشغف
ينقصني الشغف في كل شيء،

هل سبق وأن شعرت بأنك متأخر في كل شيء، متأخر بخطوة واحدة فقط، متأخر عن الحب بخطوة واحدة، متأخرعن الفرح بخطوة واحدة، متأخر عن الحزن بخطوة واحدة، متأخر عن حياة من تعرفهم بخطوة واحدة، متأخر حتى عن نفسك!
أنا هكذا يا نيسان دائما متأخرة بخطوة واحدة، متأخرة عن كل شيء، أصل متحمسة عندما يكون الآخرون قد بدأوا يشعرون بالملل، أصبح جزء من القصص المثيرة عندما تقترب نهايتها، أعرف البهجة بعد أن تشيخ وتخفت أضوائها، أزور الحزن في روحي لأواسيه وهو يحتضر.

في بداية هذا العام قررت أن أبدأ بكتابة يومياتي، كنت جادة بهذا القرار، ولكني لم أكتب أي شيء، لم يحدث ما يستحق الكتابة، كان هذا حتى ليلة أمس عندما نهضت مذعورة من فراشي ولم أستطع النوم، نبضي كان سريعاً وأنفاسي متلاحقة حاولت أن أشرب قليلاً من الماء لأهدأ ولكن ذلك لم ينفع، أشعلت الضوء الصغير بجانبي ونهضت من سريري ولا أدري كيف أحضرت دفتري وقلما كان بجانبي وبدأت بالكتابة .. وكان أول ما كتبته: "أعتقد أن روحي تحترق..!"
أفرغت ذعري في صفحتين، أغلقت دفتري، أعدته إلى مكانه، عدت إلى سريري، وظللت فيه حتى الصباح، لم أنم للحظة واحدة، ولكني لم أنهض منه ولم أفعل أي شيء!
أتظن أني أصبحت أخشى الكتابة؟ أم أني لم أعد قادرة على مواجهة مخاوفي؟ لو أنك تكتب لي مرة واحدة بعد، لربما سأواجه مخاوفي لأصل إليك، ولربما سأتوقف عن الكتابة وأمزق أنصاف الرسائل التي أكتبها ولا أكملها ولا أرسلها. أكتب لي يا نيسان، أكتب لي وأخبرني أنك لا تقرأ رسائلي أبداً، وأنها لا زالت مغلقة، وأن طبقة كثيفة من الغبار تغطيها. أكتب لي لتطلب مني بنبرة قاسية جافة أن أتوقف عن الكتابة إليك، أن أتوقف عن إرسال الرسائل عبثا. أكتب لي لتخبرني أنك تشتاق لي، وأن لا كلمة مما أكتب سترد إليك روحك، وأنك لن ترضى أن تلتقي بي بين سطور الكلمات التي أرسلها.

ولكنك لم ترحل!
ماذا يعني أن يخرج لي وجهك في فنجان القهوة، نعم كنت أنت كان وجهك ينظر إلي، كانت شامتك، وعيناك، ظننت أنني أتخيل وجهك في فنجاني بادئ الأمر ولكن صديقتي ضحكت عاليا وهي تنظر وقالت: "ها انظري انه وجه شاب في فنجانك! هااا عريس حتما إنه عريس". ابتسمت، أظنني ابتسمت لك، أأذهب بفنجاني إلى عرافة ما وأقول لها أخبريني ماذا ترين؟! ولكن لماذا أذهب؟ كنت أنت في فنجاني وهذا لا يحتاج إلى تفسير، لا أحتاج لأحد ليخبرني بأني أهرب منك وأنك تلاحقني، لا يمكن لأحد أن يخبرني أنني احتسيتك شوقا ذات مساء فخرج لي وجهك في فنجان القهوة.

كل شيء يحدث بسرعة، ما يشغلنا اليوم ننساه غداً فهنالك أمرٌ آخر لا يقل عنه شئناً أصبح يحتل أحاديثنا الصباحية، ونقاشاتنا على طاولة الغداء، وحتى مواضيع النكات والسخرية مع أصدقائنا. ما نراه اليوم حدثاً جللاً  يصبح أمراً عادياً مقارنة بما يحدث في اليوم اللاحق، لم يعد بنا طاقة أو حتى مزاج لندخل في نقاشات طويلة حول أي موضوع كان. لذلك ربما لم أعد أعلق لك في رسائلي على ما يحصل من قضايا وأحداث كما كنت أفعل سابقاً، ولربما أنا فقط أبرر لنفسي غيابي وعدم اكتراثي وعجزي عن الكتابة، ولربما في كل مرة أكتب لك حول قضية أو فاجعة سياسية ما أقول لنفسي "شو بدك بوجع هالقلب" وأتراجع عن الكتابة إليك، أعود بأوراقي إلى مكانها وأنسى أني كتبت رسالة لم تنتهِ بعد.

نيسان لا أريد أن أفقد شغف الكتابة إليك ولا أدري كيف أفعل هذا!
عد أو ارسل لي طيفك




Sunday, December 28, 2014

عن "الموتى" الحقيقين الذين كتب عنهم أحبائهم

أيها الغائب..

لم يعد البعد وحده ما يوجع، لم يعد رحيلك وحده القاتل، فوجودي مميت أيضاً. هذا الهواء الذي نتنفسه موجع، الاستقياظ في الصباح موجع، احتساء القهوة على عجل، الأفكار التي تراودني في طريقي إلى عملي، محاولة اختلاق كذبة مقنعة عن سبب تأخري في الصباح، محاولات الابتسام التي يُفشلها النبض الثقيل، ومحاولات الاستمرار أطول فترة ممكنة دون بكاء، كل هذا موجع وقاتل، وكل هذا يفوق الرحيل وجعا.
أن ندّعي طوال الوقت أنَّ كل شيء على ما يرام، وأنَّ أكبر انكسارتنا هي مجرد انتكاسة سننهض منها أقوى مما كنا عليه قبلها، وأننا نمتلك من الأمل ما سيمكننا من مواصلة ما بدأنا به غير مدركين انه انتهى منذ اللحظة الأولى التي شعرنا فيها بالتعب.
بِتُّ أقضي وقتا لا بأس به من الصباح وأنا أتفقد الأثر الذي تركه كل ما يحصل على ملامح وجهي، تلك الخطوط السوداء التي تزداد عمقا، أمرر أصابعي فوقها  ثم أتفقد أصابعي خوفا من إلتصاق بعض من السواد بأطرافها.

تحملّنا الأيام أكثر مما يمكننا احتماله، ياه كم نحن ضئيلون أمام وجع الاخرين! شعرت بعجزي وضعفي عندما رأيت الاخرين يفيقون من حزنهم وألمهم ويصفعون الموت ويمضون في حياتهم. أحسست بأن لا جدوى من الكتابة إليك عندما بت أشعر أن كلماتي تافهة وناقصة أمام كلماتهم. وجعي أصبح أعمق عندما اجتاحني حزن الآخرين، وفقداني بدى غريباً عندما أحسست بفقدانهم لأحبائهم. حينها فقط بدى كل شيء مختلف، كأنك ترحل من جديد، وكأن غيابك كان بالأمس.
بِتُّ أريد دفن الذكريات لا احيائها،  بِتًّ اريد نسيانك لا استحضارك، أنساك ليرحل باقي الموتى الذين لا أعرفهم ، ليرحل الموتى الحقيقون الذين كتب عنهم أحبائهم!

عندما قرأت ما كتبته هالة زوجة الشهيد خالد حمد إلى زوجها بعد استشهاده أحسست أن العالم توقف عند كلماتها، كان حزنها مألوفا ولكنه فاق أي حزن عرفته في حياتي. كم من الوجع حمَلَتْه هالة إلينا في رسالتها إلى زوجها الشهيد، وأي أثر تركه وجعها فينا!
توقفت عن الكتابة بعد أن قرأت رسالة هالو وتخيلت أنني لن استيطع الكتابة إليك مجددا، فعند رسالة هالة اكتمل الحزن، وبكلماتها وصل الوجع الحد الذي يستحيل بعده الشفاء.
خالد وهالة أبكياني كثيرا، أن تعاتب زوجة الشهيد وحبيبته زوجها لرحيله تاركاً إيها وطفلها الذي لم يراه وحدهما، وأن تعاهده أنها لن تفارقه حتى إن كان هو فارقها، أن تكتب له عن طفلهما الذي كانا ينتظران ولادته، وأن تصف شهور حملها الأخيرة بدون رفيق دربها الذي رسمت معه كل تفاصيل حملها وولادتها، وأن تعيش تلك التفاصيل وحيدة فيما بعد، كل هذا كان كفيلاً ليتوقف قلبي عن النبض.
رحل خالد إلى الأبد، ولا شيء سيعيده إلى عائلته من جديد، وأنجبت زوجته طفلة جميلة هي الآن مهجة قلب أمها، وأملها في هذه الحياة التي لم تكن منصفة معها أبدا. وها أنا أكتب إليك مجددا، وسترى إرتباكي وترددي في رسالتي فهو واضح جدا، ولكن في النهاية كان لا بد أن أعود إليك أنت الذي لن تعود إليّ أبدا.

هل أخبرتك من قبل أن البهجة هي أجمل ما فينا لكنّا نخشاها؟! نخشى على أنفسنا من لحظة حزن قد تباغت عيوننا إن ابتسمت مطولاً، ونخاف أن تسرق البهجة الحزن من قلوبنا ونحن بتنا نقدسه، حزننا الذي هو أصدق ما فينا وأنبل ما تحمله قلوبنا، أي تناقض هذا الذي نعيش فيه يا نيسان! 
ها قد أتى الشتاء من جديد، وأنا ما زلت لا أطيقه، الشتاء قاسٍ ومظلم، والبرد موحش، نعم البرد موحش، وليالي الشتاء الطويلة تدفعنا للتكور داخل أنفسنا فنشعر حينها كم نحن وحيدون وضعيفون. لست سودواية جدا، ولا تخف فأنا لم أتحول إلى كائن مقيت عابس، ولكن البوح لك ينتهي بي هنا، إن لم أعرّي حزني أمامك، وإن لم تصغي أنت إلى حماقاتي فمن سيفعل!
أخباري لا جديد فيها، بت أريد الرحيل أكثر من أي شيء آخر، الابتعاد عن كل شيء يبدو حلاً مناسباً، ستقول لي أن الهروب ليس حلا، ولكني لم أعد أمتلك شيئاً هنا، ولا أريد أن أخسر نفسي في جملة ما خسرته من أشياء. ومع كل هذا لا زلت أحتفظ بباتسامتي التي تعرفها جيدا، لن أتخلى عنها فما كان لك يوماً  لن يجبرني أي أحد على التخلي عنه.


إلى أن أراك.. أبعث إليك ابتسامتي وشوق لا ينتهي



Saturday, April 12, 2014

عن ستي صفية

عزيزي نيسان،

كنت قد أخبرتك من قبل أن المكان ضاق بي، وروحي لم تعد قادرة على التحليق في سماء باتت تعجز عن احتضانها، وكتبت لك مراراً عن توقي للرحيل. كنت قد صورت لك حزني ووحدتي ولكنك لم تفعل شيئاً غير أنك كففت عن الظهور، قل لي أني سأصبح روحاً تحلق في السماء وسآتي إليك.

أكره هذا الشعور القاتم،  شعوري بأني وحيدة رغم الاكتظاظ الذي يعبث بحياتي، لا أدري اي تناقض هذا، ولا أدري متى سأنتهي منه. أحتاج لنفسي قوية لأقف بجانب نفسي، احتاجها لتصوبني عندما أخطئ، أحتاجها لأشكو لها ضعفي وبؤسي عندما تصبح خطواتي ثقيلة، أحتاجها لأحلم ولأبقى.


منذ مدة ورأسي ممتلئ بأفكار حول الموت،  ماذا لو مت غدا؟ّ مذا لو كان هذا اخر يوم في حياتي، هل قلت كل ما أريد أن أقوله؟ هل أخبرت الذين أحبهم أني أفعل؟ ماذا عن الأحلام التي سأتركها خلفي؟ لمن سأتركها؟ هل تستحق مني هذه الحياة أن أتمسك بها أكثر؟ ما الذي سيدفعني لطرد فكرة الموت بعيداً والبحث عن اسباب الحياة والتمسك بها؟ هذا العالم مميت وقاتل يا نيسان، كل يوم نخسر شيء من الذي يضيء أرواحنا، ولا شيء يمكنه أن يعوضنا عن خساراتنا الصغيرة هذه.

في مثل هذا اليوم، وقبل ستة عشرعاماً توفيت جدتي. رحلت وتركت خلفها الكثير من الحزن، والكثير من القصص التي لم تحكها لنا. لروحها أبعث سلامي وشوقي، ولكن دعني أخبرك المزيد عنها.

عندما ماتت جدتي أصبحت نجمة في السماء، الجدات لا يرحلنّ عندما يمتن، لا يمكنهنّ أن يغادرنّ بهذه البساطة، هنّ فقط يصبحنّ متعبات متعبات جداً "وجع القلب بقصر العمر يا ستي"، وجدتي كان نصيبها من الحياة كل الوجع . قلبها الكبير لم يعد يحتمل، لحظات الانتظار أصبحت ثقيلة، ودموع الصلوات أصبحت مُرّة. حدثتُكَ عن "ستي صفية" من قبل، جدتي التي أورثتني ضحكتها الرنانة. وأكتب لك اليوم عن جدتي التي رحلت ولم أبكها. لم أبكها لإني كنت صغيرة لا أعرف معنى الموت، أنا لم أودعها ولم أرها ميتة، ولذلك بقيت في ذهني صورتها وهي على سجادة الصلاة، في حضنها مسبحتها الطويلة.

أراها ترفع يداها عالياً للدعاء ويختفي صوتها عندما تبدأ في البكاء، ويختفي بكائها عندما تراني استرق النظر من شق الباب، فتدعوني بيدها وتجلسني في حضنها، تداعبني حتى يعلو صوت ضحكتي تتبعها صوت ضحكتها، وبعد أن تتعب من الضحك تصمت قليلاً وتمسك بيدي وتنظر في عيني وتسألني: "أبوكي رح يطلع من السجن؟" ودون تردد أجيبها: "ااه طبعاً رح يطلع!".

أخبرتني أمي أن جدتي كانت دائماً تسألنا هذا السؤال: "رح يطلع أبوكم من السجن يا ستي؟؟" وكانت تقول: "خذ فالها من اطفالها". اجاباتنا أو نظرات عيوننا الصغيرة كانت تعني لها الكثير، جدتي كانت تؤمن أن الاطفال يقولون الصدق دائما، وأن الله هو من ينطقهم. في المرات القليلة التي كنّا نجيبها: "ستو بابا مطول ليطلع" كانت تصمت حزناً، وتغيب ضحكتها عن المنزل لعدة أيام.

لطالما سألت نفسي: ماذا لو لم تمت جدتي؟ يأخذني السؤال بعيدا بعيدا، لكان بيتها الآن جنة أحفادها، لكانت رائحة خبزها تدفئ الجدران القاتمة، ولكانت مزهرياتها المزركشة في مكانها في زوايا البيت وفوق النملية وعلى حافة النافذة، لكانت صورنا مغروسة في البراويز الكبيرة تبعث فيها الحياة، ولكنت الآن بقربها أداعبها وأمازحها وأخبرها أنها لازالت صبية وأنها جميلة تنافس صبايا العائلة بجمالها، وأني أحب غطاء رأسها الأبيض الطويل وأحب عصبتها المزركشة وأني أحب شامتها وأني ِأشبهها .. "صح يا ستي أنا بشبهك؟ أحكيلهم إني بشبهك خليهم يغارو مني..". ولكن جدتي الآن نجمة في السماء، نجمة بعيدة ومضيئة، وأنا لا أشبه نجمات السماء، ولا أعرف كيف أصبح مثلهن.

قبل عدة أيام التقيت بصديق لي صدف أن جدته كانت مريضة، لا أدري كيف حضرت جدتي إلى بالي حينها، أحسست أني مشتاقة جداً لها، وأحسست أن رحيلها كان صعب. لازمني هذا الشعور طوال اليوم وكأن جدتي ماتت البارحة، فقررت أن أمر بالمقبرة لأزورها في طريق عودتي الي البيت، وهكذا فعلت. وصلت المقبرة وكانت فارغة تماماً إلا من هذا الكم الهائل من الشواهد البيضاء، دخلت من الباب الذي اعتقدت أنه يوصل إلى قبر جدتي، ولكن كل شيء بدا مختلفا، قبر جدتي لم يعد بمكانه! قرأت شواهد أكثر من مائة قبر، وتجولت في المقبرة لمدة نصف ساعة أو أكثر، ولم أعثر على قبر جدتي. ياه كم مر من الوقت حتى نسيت أين هو القبر، غضبت من نفسي وشتمتها وعدت إلى المنزل دون أن أزور جدتي.

في صباح اليوم التالي علمت أن جدة صديقي قد توفت، غمرني حزن عميق، أنا لا أعرفها ولم أسمع عنها إلا القليل، ولكني أحسست بها تغادرني، وكأنها مرت أمامي مصطحبة معها جدتي، لم أكن قد فكرت بموت جدتي من قبل، لم أفكر بقلبها الذي اهترئ حزنا فقرر أن يستريح، ولم أنتبه لحقيقة أنها رحلت ولم أبكي لرحيلها إلا متأخراً. في تلك الليلة أخذني البكاء، بكيت كثيراً وودعت جدتي وأهديتها الكثير من الكلام، حاولت أن أتذكر كل التفاصيل التي جمعتني بها، بعض مما تذكرته كتبته لك، والبعض الآخر احتفظت به لنفسي.

أعلم أن الموت قريب منّا جدا، أعلم أنه يراقب خطواتنا، ويعد أنفاسنا، أعلم أنه يرافقنا إلى النوم، وأنه يستيقظ قبلنا في الصباح. الموت ليس حدثاً منفصلاً، وليس اللحظة الذي يصبح فيها الجسد دمية لا تتحرك، الموت في كل شيء والموت في التفاصيل. ونحن بالرغم من ذلك نعيش ونتشبث بالحياة، ونحلم ونقتات على الأمل، نحزن وتهرم قلوبنا ونظل ننتظر لتعود لصباها من جديد. 


صديقتك التي هَرِمَ قلبها
\

Sunday, February 23, 2014

فتاة بضفيرة

نيسان يا كل الحكاية،

اشتقت إليك، ويكاد الشوق يذهب بأنفاسي بعيداً بعيداً إلى حيث أنت. أين أنت؟ لم أعد أشعر بك قربي، نادرة هي الصباحات التي تكون فيها ابتساماتي لأجلك، أين تكون روحك حين أحتاجها؟ أين تذهب كل الأمنيات التي أبعثها إليك؟ أين أنت يا نيسان؟ ظننت أنك ستكون موجوداً في كل مكان، فأنت في قلبي ما دام في قلبي نبض.

مُتعِبٌ هو حبك وقاتلٌ هو رحيلك. لا أدري إن كنت سأتخلى عن طقوس الحزن يوما، أنا لا استحق الوحدة التي أورثني إياها موتك، ولكنك حتماً تستحق مني كل هذا الحزن. كنت أواسي نفسي بانكار موتك، أنت رحلت ولم أكن قد أدركت معنى الموت بعد، رحلت وتركت لي الغياب، كل الغياب..

أجد صعوبة في الكتابة إليك، بِتُّ أفضل الصمت على محاولة لملمة كل ما يحدث وسرده لك في رسالة قد لا تصلك، ولكنَّ الصمت متعب أيضاً، ولذلك قررت أن أكتب، لا أدري إلى أين سيأخذني الكلام، لربما يأخذني إليك.

مؤخراً بت أشعر أنني أشكل عبئا حتى على نفسي، لم أعد قادرة على التعامل مع الأمور حولي، هنا صخب لا منطق له، تبدأ الاشياء وتنتهي قبل أن أدركها، البارحة فقط كان هنالك وهج في قلبي واليوم انطفئ، ولا أدري من أشعله ومن اطفئه. 

استيقظت صباح اليوم في ساعة مبكرة جدا، الكل نائم، انه يوم عطلتي، لم أنم جيداً فليلتي كانت تعج بالكوابيس والأحلام غير المفهومة، ولكني استيقظت! فتحت النافذة واطرقت السمع، لا يزال الكوكب نائما، ابتسمت، أحسست أنني أملك هذا الهدوء. عندها فقط انتبهت إلى  أن اطلالة نافذتي لم تتغير منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً.

قبل خمسة عشر عام انتقلنا إلى منزلنا هذا. شقة جديدة، لم تكن جاهزة بعد، كانت بدون ماء، وبدون إنارة، وبدون أبواب داخلية، ولكنا انتقلنا إليها. السبب في ذلك أن أبي الذي أمضى ما يقارب السنتين ونصف في الاعتقال الإدراي لدى الاستعمار الصهيوني خرج من المعتقل ولم نكن قد أنهينا تجهيز البيت بعد. ولإننا لا نمتلك مكاناً آخر نذهب إليه، فالبيت الذي كنا نسكنه أنا وأمي وإخوتي في فترة اعتقال والدي كان في منطقة تابعة "للسلطات الإسرائيلية" ولم يكن باستطاعة والدي الذي يمتلك هوية خضراء وسجلا أمنياً حافلاً لدى "دولة الاستعمار" أن يصل إليه. انتقلنا إلى الشقة الجديدة قبل أن ننتهي من اصلاحها. وأصبحت الشقة الأرضية في الاسكان الكبير الذي لا يزال قيد البناء تعج بضحكات أطفال ظنوا أن البيت الجديد هو عالمهم السعيد.

فيما بعد أكملنا اصلاح البيت وغيرنا تقسيمه أكثر من مرَة، جددنا الطلاء أكثر من مّرة، كما بدلنا الأثاث، ولكني ظللت أراه كما كان عندما نمنا فيه للمرة الأولى، بيت فارغ جدرانه بدون طلاء، غرفه بدون أبواب، والطريق إليه بعيدة.

قبل أن أعود للنوم أدركت أنني أمضيت في هذا البيت ما يكفي، وأن الرحيل عنه قد أصبح ضرورة لا بد منها، أعتقد أن أمي تشاركني هذا الرأي ولكنها بالتأكيد تمتلك منطقا مختلفاً لذلك.  يبدو الأمر وكأن هنالك مدة محددة تصلح للعيش في بيت العائلة التي نولد فيها، هذه المدة تتحدد وفقاً لمسار مسبق يضعه الأهل لمستقبلنا. تخضع كل مرحلة من مراحل حياتنا لمعايير وضعت مسبقاً تقيس مدى نجاحنا ومقدار فشلنا، تسوء الأمور في نهاية كل مرحلة في حال لم نقترب من النموذج الذي رسمه لنا أهلنا في مخيلاتهم، يبدأ الأهل في التذمر من فشل أبنائهم، ويدخلون في حالة من الاكتئاب تفرض عليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا فشل أولادنا؟ وهل نحن السبب في ذلك؟ عدة مرات في اليوم.

في حالتي كان من المفترض أن تسير الأمور بشكل مختلف عما هي عليه الآن، تعتقد أمي أنني الآن يجب أن أفكر في شيء واحد هو "الزواج"، بالنسبة لها هذا هو المسار الطبيعي لحياتي وليس هنالك أي احتمال لمسارات أخرى، ولذلك فهي لا توفر جهداً لاتمام مهمتها في مساعدتي في العبور للمرحلة الأهم في حياتي، ولهذا يبدو رحيلي عن البيت بالنسبة لها منطقي جداً.

انهيت دراستي الجامعية بتقدير جيد جداً قبل ثمانية أشهر، حياتي المهنية تسير بشكل مرضي فأنا بشكل أو بآخرأعمل منذ تخرجي في مجال تخصصي، وأنا الآن أعمل بجد من أجل الحصول على منحة لإكمال دراستي، ولكن أي من هذا لايقترب من النموذج الذي تريده لي أمي! 

أعتقد أن بقائي هنا سيجعلني أفقد العلاقات الدافئة التي تربطني بأٌقرب الناس إلي لمجرد أنها دخلت حيز الرتابة، وامتزجت مع اليومي المقيت للحياة. أمي التي تظن أنني بت جاهزة لما تراه هي طبيعي وضروري، لا تعلم أن كل ما أتمناه الآن أن أكون فتاة بضفيرة، ضفيرة طويلة تتأرجح على ظهري كلما خفق قلبي.

لا أريدك أن تظن أنك مصدر تعاستي، حزني عليك لا بد منه، وشوقي لك كان حتى قبل أن ترحل، كل ما في الأمر أن رحيلك جعلني أكثر هشاشة من قبل، وأنني لن استطيع فتح قلبي لأحد غيرك بهذه السهولة، لا يمكنني أن أنظر في عيني أحدهم دون أن أتذكرك، ولكني أجزم أن السبب هو أن لا أحد ينظر إلي كما كنت أنت تفعل، لقد كنت تراني بقلبك يا نيسان. 

حتى يجمعني بك حلمٌ ما.. لك كل الشوق


Tuesday, December 31, 2013

لنودع العام سوياً

نيسان ، لنودع العام سوياً

انتهى العام الذي بدأته باقبال على الحياة وشغف للمضي قدما، انتهى العام الذي بدأته بنخب البدايات التي تدوم وتترك أثر الطيف الملون اذا انتهت. انتهى العام الذي كنت أعتقد أن روحي ستولد فيه من جديد. انتهى العام وانتهت معه كثير من التفاصيل الحميمية، أو لعلها ماتت. انتهى العام الذي جئتَ فيه إلي، ورحلتَ فيه عني، فذهبت أنا إليك يا نيسان. انتهى العام الذي عرفت فيه كيف يكون وقع الانكسارات المتتالية، كيف تقع وأنت لازلت تحاول الوقوف، كيف تحمل الوجع وترحل معه من عالم إلى عالم وأنت لازلت في عالمك الذي لفظك خارجه.

 كتبت هذه الرسالة عدة مرات، وفي كل مرة كنت أفشل في قول ما يليق بوداع سنة كاملة من حياتي. بدل أن أكتب لك عما حققته في هذا العام وعما فشلت في الوصول إليه، بدل أن أخط لك انجازاتي واخفاقاتي، كنت أُغرقك في سطور من الاحباط، وأغرق نفسي بأكوام من التعاسة استحضرت ما يكفي منها في محاولات الكتابة الفاشلة. توقفت عن الكتابة ليومين أو أكثر، ورحت استحضر العام كاملاً فلم تحضرني إلا التفاصيل الحزينة والمؤلمة، كانت ابتسامات العام المبهجة تنكسر سريعا أمام الغصات التي حفرت القلب وأدمته.

 في الحقيقة أنا لم أعتد على أن أبداً شيئا بهذه البهجة، ولكنني قررت أن أبدأ عامي بأن أرى الطريق أمامي يتسع، والحلم مني يقترب. لعلني كنت متحمسة لانني سأنهي دراستي الجامعية. تخيلت حينها أن العالم سيكون بانتظاري حاملاً مفاجأته السارة التي لا بد أنني أستحقها، ومخبئاً بعض الاخفاقات التي لابد وأن ترافق أي كائن بشري لديه حلم يسعى للوصول إليه. 
انتهى العام ويبدو أنني لست قوية بما يكفي لاستيعاب رحيله، يصعب على أن أودع شيء لم أنتهي منه بعد، كيف سأبدأ عامي الجديد وأنا أحمل أثقال العام الذي مضى، كيف لي أن أحلم بالبدايات الجديدة وأنا لازلت عالقة بما بدأته ولم أكمله بعد.

بدأت هذا العام وأنا أنظر إلى قصاصة ورق صغيرة كنت قد كتبتها في وقت متأخر من نهار يوم 31-12-2012،  تحتوي على ما أريد أن أفعله في عامي الجديد، ولأجلها كان صباحي مليئاً بالضحكات. أنظر إليها اليوم ولا أدري كم كنت موفقة في تحقيق بعض مما كتب فيها، وهل أستحق اللوم على عدم تحقيق ما تبقى. من يحمل معي عبئ انكسارتي التي تبدأ من هذه الورقة وتنتهي فيها. أكتب لك وأنا أنظر إلى سذاجة أمنياتي، لم أطلب من الحياة كثيرا، لم أرهق الليل بأحلامي، كل ما كتبته في تلك الورقة كان سيحصل لو لم أسقط أنا خيبة، ولو لم تصفعني تفاصيل الحياة على وجهي مراراً.

لم يكن العام خرافيا، لم تحدث فيه المعجزات التي انتظرتها، بقيت طوال العام انتظر رسائل لم تصل وزائراً لم يأتي. ولكني كنت أقول لنفسي دائماً "بعض من الأمل قد يأتي متأخرا". أعلم أنني محاطة بأناس رائعين، أعلم جيدا أن عامي هذا كان سيكون حالك الظلمة لولاهم، ويجب أن تعلم  أنهم ينيرون زوايا قلبي، ويملئون فضائات روحي الفارغة. ومن المخجل جداً أن أشعر رغم وجودهم أنني وحيدة للحد الذي تبدو فيه فكرة الوحدة مرعبة. لا أدري ما السبب في هذا، ولكني في بعض الأحيان أرحل مع الحزن بعيدا، بعيداً جدا، ولا أدري كيف أعود. عندها أشعر بداخلي كساحة المعركة بعد أن انتهائها، حطام وليس أكثر من حطام. ولكني في كل مرة أستجمع نفسي، وأنفض الغبار عن روحي المنهكة، أشعل ما تبقى من الأمل، أصنع الابتسامات.. وأمضي.

رافقتني الكثير من الأوهام هذا العام، بسذاجتي صدقت أنها يمكن أن تغدو حقيقة في أي لحظة، ولكنها بقيت كما هي مجرد خيالات وانفعالات لفتاة ظنت أن الأشياء يمكن أن تتبدل فقط لانها أرادت ذلك. وهم أني امتلكت قدراً لم أمتلكه يوماً من الحرية، قدراً بسيطاً يكفي فقط لأعيش نهاراً واحداً بالشكل الذي أريد. وهمُ أن أجلس أمام أفق المدينة لحظة الغروب فيبدو لي وكأن البحرأقبل باسماً ليلقي التحية على أفكاري التي خرجت من رأسي قليلاً لترتاح. وهمُ أن الحب قد يسبق الحرب هذه المرة فيضيء في القلب نوراً ليدفئه. وأخيرا "أنت، نيسان" 
بقي أن أحدثك عن الشيء الوحيد الذي سأحمله بفرح معي إلى العام الجديد، مجموعة من الفتيات اللواتي أنهكهن الحلم مثلي تماماً، كل واحدة فيهن لا تريد سوا أن تعيش الحياة بما يليق بجنونها. في البداية لم أعتقد أن وجودهن سيشكل هذا الفرق، إلا أنني بت متأكدة أننا نخبئ للقدر الكثير من المفاجآت. ستمضي كل واحدة منا في طريقها الوعر، ستمحو أثر الخيبات التي أغرقتها بها معارك الآخرين، وستخوض معاركها الخاصة. ستصنع لحياتها تفاصيلها الخاصة، سيكون الحزن حزنها الذي اختارته لنفسها، وسعادتها هي السعادة التي صنعتها بنفسها.

لم أشأ أن أنهي الرسالة بهذه الطريقة، ظللت أنتظر لآخر يوم في العام لعل شيء ما يحدث، لعل شيئاً مما انتظرته يأتي، ولكن كل شيء بقي على حاله. أودع العام وأنا أكثر انكساراً من أي وقت مضى، أودعه بعد أن أصبحت بشعر قصير لا يشبه حلمي، أودعه متعبة بعد أن أنهكتُ نفسي وأنا أحاول أن أكتبه لك بتعاسة أقل من هذه، أودعه والشيء الوحيد الذي أنتظره في العام الجديد هو أنت!

صديقتك، من ليس لها سواك

Tuesday, December 24, 2013

ليبراليو المدينة يخشون نسوياتها

عزيزي نيسان، 

يبدو عنوان رسالتي عنواناً طريفاً لمقالة صحفية أو ورقة أكاديمة، قد يكون الدافع في كتاباتهما حادثة طريفة أو قصة مؤلمة. ولكنها ليست حادثة واحدة أو قصة يا نيسان، إنها حياة يومية نعيشها في عاصمة أوسلو التي أنتجت في خضم ما أنتجته ليبراليين معقدين، وشبه حركة نسوية مشوهة. والطريف هنا هو الأزمة التي نشأت بين ليبرالي المدينة الذكور ومنظراتها النسويات!

تتكاثف الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية في مدينة رام الله، لتحصر مجموعة من المثقفين والمستثقفين والنشطاء السياسيين وحملة "الفكر الليبرالي" وبعض "اليساريين" داخل جماعة ضيقة ومتداخلة مليئة بالتناقضات. إلا أنها ولسبب ما تعيد التقوقع داخل نفسها، رافضة الاعتراف بأنها تعاني مزيجاً عفناً من المشاكل، صدّرتها إليها المدينة التي تدعي الحداثة، فسمحت لروادها والقاطنين فيها بممارسة بعض طقوسها بحذر، مانحة اياهم حرية مزيفة.

لا أريد الخوض كثيراً في المشاكل التي تعانيها جماعة ليبراليي ومثقفي رام الله ونشطائها السياسيين، وإنما أريد أن أحدثك عن إحدى هذه المشاكل والتي تزداد حدتها يوما بعد يوم، وهي الصراع الخفي بين ليبراليي المدينة ونسوياتها. فقد قرر ليبراليو رام الله اتخاذ موقف معادٍ للنسويات والحركة النسوية وحَمَلة الفكر النسوي. يتجسد هذا الموقف المعادي في النقاشات الحادة التي تدور بشكل مستمر بين هؤلاء وأي "ناشطة نسوية" أو حاملة  للفكر النسوي، وغالباً ما يتحول هذا النقاش إلى تبادل الاتهامات بالتخلف والتعصب أو الرجعية، والتباهي بالأفكار الغربية الدخيلة على المجتمع، إلى الاستعراض ومحاولة لفت الانتباه، وقد يتخذ النقاش شكل الاستهزاء والاستخفاف بالفكر النسوي وحَمَلته، واطلاق النكات السخيفة تتبعها القهقهات العالية معلنة انتصار "الرجولة"!
"نعم نحن ليبراليون.. ولكننا، لا نؤمن بالفكر النسوي ولا بحرية اعتناقه",, "نعم نحن مع حرية المرأة وحقوقها.. ولكن، دون أن تمس رجولتنا",, "نعم نحن مع أن تكون المرأة سيدة نفسها وصاحبة القرار فيما يخص حياتها الشخصية وأن تمارس "ليبراليتها" معنا.. ولكن، لا يمكن أن نسمح لها أن تمارسها وحدها ولأجل نفسها".

أنا لا أبالغ أبدا يا نيسان، كيف يمكنني أن أفسر "فوبيا النسوية" التي يعاني منها ليبراليو المدينة، حيث تُهاجم الفتيات اللواتي يدعين أنهن يحملن الفكر النسوي من  قبل ذكور المجتمع الليبرالي (نشطاء ومثقفي رام الله) بطريقة أصبحت مقرفة في الآونة الأخيرة. لا وبل أكثر من هذا فليس بالضرورة أن تحمل الفتاة فكراً نسوياً ليتم مهاجمتها والاستهزاء بها، فيكفي أن تبدي تذمرها من المجتمع الذكوري العفن الذي تعيش فيه، حتى تنهال عليها الجمل والعبارات التي تستنكر ما نطقت به من كفر. 

اتفق معك أن التنظير النسوي في مجتمعنا لم يخرج من اطار تنظير النخب، عدا عن انفصاله عن الواقع وبعده عن التطبيق. وأن الكثيرين والكثيرات ممن يدعون أنهم يحملون الفكر النسوي، ويعلنون انحيازهم التام للمرأة، وقبولهم بفكرة المساوة بين الرجل والمرأة، يساهمون في أغلب الأحيان بتكريس الممارسات الذكورية في المجتمع. ولكن هذا لا يعطي أي مبرر للذي يحدث من رفض لفكرة امكانية خلق حراك نسوي جاد في المجتمع الفلسطيني، حراك لا يستند أبداً إلى الحركة النسوية الفلسطينية، والتي برأيي غير موجودة  أصلا. وهذا الرفض يستند بشكل أساسي إلى أن النضال النسوي في مجتمع مستعمر هو نضال عبثي، يشتت الأنظار عن القضية الأساسية والتي هي تحرير الوطن. بالاضافة إلى أن الحديث عن حقوق المرأة ونضالها في سبيل تحقيقها بات يرتبط اليوم بمؤسسات الـ NGOs  الراعية الرسمية لكل ما هو نسوي مؤخرا. 

ولكن انتظر قليلاً، إذا كنت من حملة شعار "نحن في مرحلة تحرر وطني"، وبالتالي يجب أن نوحد جهودنا في سبيل مقاومة الاستعمار، كيف تتوقع أن تتحرر البلاد من نير الاستعمار ونساؤها تكبلهن العادات والتقاليد المهترئة، ويقيد نضالهن كومة من الأحكام المسبقة. وحتى لو عدنا سوية لتجربة المرأة النضالية في الانتفاضة الأولى، حيث قدمت المرأة الفلسطينية نموذجاً نضالياً رائعاً دون أن تشكل العادات المحافظة للمجتمع رادعاً لها، سنجد أنه بمجرد انتهاء الانتفاضة عادت المرأة إلى دورها التقليدي كأم وزوجة، ولم تؤهلها المشاركة الواسعة  في العمل النضالي في الانتفاضة لتكون شريكاً سياسياً حقيقياً فيما بعد، وتم اختزال هذا النضال في تشكيل مؤسسات نسوية ليست ذات تأثير سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد المجتمعي. 

ويوحي لنا ليبراليو المدينة أنهم قادمون من كوكب آخر غير هذا الذي نعيش فيه، غير مدركين أن تلك التي تلعن الذكورية والمجتمع الذكوي، لم تلعنه لإنها درست تاريخ المجتمعات الذكورية عبر التاريخ، بل لإنها تعيش كمواطنة من الدرجة الثانية فيه! وأن تلك التي تتنهد بعمق لتطالب بعدها بالمساوة التامة مع الرجل، لم تأتِ بهذا المطلب من الأفكار "الدخيلة" التي تزرعها المؤسسات النسوية ذات التمويل الأجنبي برأسها، بل من كومة المشاكل التي تلاحقها، كونها فتاة من عائلة محافظة فكرت قليلاً وقررت أن تلحق حلمها. ويتناسون أن تلك التي تستفزها بعض الكلمات التي يتفوه بها الذكور تعبيراً عن حماقتهم، تستحضر كل الدلالات الرمزية العفنة لكلمة "مرة" مثلاً عندما تسمعها، لا لإنها تريد أن تثبت تفوقها بادعائها النسوية، بل لإنها مضطرة دائماً لتخليص نفسها من المواصفات  والمعايير التي فرضت عليها من المجتمع  كشرط لقبولها فيه.

في النهاية يا نيسان، كان لابد أن أكتب لك عن هذا الموضوع، فهو يجول في خاطري منذ مدة ويبدو أنني اكتفيت من الحديث عنه في دوائر الفتيات المغلقة. وأود فعلاً أن يجيبني أحدهم، لماذا يخشون من نسويتنا التي لا نمتلكها؟ هل فعلا تروق لهم فكرة الفتاة "الليبرالية الغبية"؟ أم هل هم مدركون أننا في حال امتلكنا فكرا نسويا ريدكالياً أول ما سننقض عليه هو ذكوريتهم المخبأة، والتي لا زالوا يحتفظون بها بالرغم من كل مظاهر الليبرالية  والتحرر التي يعيشونها؟ يبدو أننا نحتاج لحركة نسوية قوية وحقيقة (نسوية عنيفة من نوع خاص) لنخلص بعض ليبراليي المدينة من فوبيا النسوية التي يعانون منها. 


صديقتك "نسوية المدينة"


Saturday, December 7, 2013

عندما يودعنا الشهداء

نيسان 

لم أغب هذه المرة طويلاً، وبت أعرف جيداً أنني ممن لا يتقنون الغياب ولا يحبونه. مريضة أنا بغيابك فلماذا أدعي أنني أحب ممارسة اللامبالاة، لماذا أحبس أنفاسي في محاولة الاختباء من أحد أريده وبشدة، وأسند قلبي المرتجف بعبارت يحفظها الضعفاء عن الكبرياء وعزة النفس ما تلبث أن  تتلاشى ببلاهة تامة إن قرر القلب الخروج عن صمته وخفق مناديا.

أعيش أكثر لحظاتي هشاشة عندما تصيبني الحمى، أتحول إلى طفلة تدفن رأسها داخل غطائها لعلها تجد ما يشبه حضن أمها. وأظل أتعثر بكلماتي وأنا نائمة، وأصحو لأجدني بين أكوام من الهلوسات، لا أدري كيف أتخلص من أثرها.
نمت اليوم معظم النهار، استيقظ لشرب الماء وأعود للنوم. ولكني في مرة صحوت وأنا أردد عبارات أحفظها لشاعر تونسي: "نحب البلاد.. كما لا يحب البلاد أحد.. صباحاً.. مساءا .. وقبل الصباح.. وبعد المساء.. ويوم الأحد.. ولو قتلونا.. كما قتلونا .. ولو شردونا.. كما شرّدونا.. ولو أبعدونا .. لعدنا غزاة .. لهذا البلد".
لا أدري ما الذي دفعني للنهوض من سريري وكتابة هذه الأبيات على حائط غرفتي الممتلئ بالخربشات، كتبت أبيات الشعر وعدت لأدفن نفسي داخل غطائي. بقيت دون حراك إلى أن رن هاتفي لأنهض مفزوعة على صوت أخي يخبرني أن هنالك شهيد  في مخيم الجلزون.

كان الشهيد وجيه وجدي الرمحي (15 عاماً) قد أصيب برصاصة قناص صهيوني حاقد في ظهره، نقل على إثر اصابته إلى المستشفى، حيث ارتقت روحه هناك. كنت خائفة من أن أصدق الخبر، عدت للاتصال بأخي وسألته لأتكد -بيني وبين نفسي تمنيت أن تكون هذه إحدى هلوساتي بفعل الحمى- قال لي أخي: "هي الشب قدامي واستشهد.. اسكتي!" 

سكتّ، فعلا سكتّ. سكتُّ عن الكلام وعن الهلوسة وعن التفكير وعن كل شيء. هي لحظات حتى استولى علي الشعور بالعجز، يا له من شعور قبيح، وأقبح ما فيه أنه أصبح ملازم لنا! نعلم جيداً أننا لسانا عاجزين، وفينا ما يكفي من الأمل لنستمر ونحلم، ولكن مع هذا بمجرد أن يسقط شهيد، حتى تصاب حواسنا بالشلل، ونشعر أننا مكبلون في بقعة نائية لا تمكننا حتى من الوصول إلى أنفسنا.

بكيت كثيراً يا نيسان، أي وجع يتركه فينا رحيل الشهداء؟ أي وجع ألقاه وجيهٌ في نفوسنا وهو يودعنا الليلة؟ عدت للحائط وأكملت القصيدة: "ولو قتلونا كما قتلونا.. لعدنا غزاة لهذا البلد، وعاد إلى ليلنا القمر .. وعاد إلى أرضنا الشجر .. وصاح الشهيــــــد سلام سلام، على من صمد! نحب البــــــلاد لكي لا يحب البلاد أحد!

عندما يودعنا الشهداء يلقون علينا بابتساماتهم، عندما يودعنا الشهداء يورثونا حب البلاد. ويرحل الشهداء لإنهم يعرفون جيداً أننا سنبقى نحرس البلاد ونحبها كما لم يحبها أحد، نحرسها لكي لا يحبها من بعدهم أحد! عندما يودعنا الشهداء يتركون أرواحهم تهمس لنا في كل ليلة: بيينا وبينهم ثأر وسيل من الدماء.

صديقتك من أورثها الشهداء حب البلاد

Thursday, November 28, 2013

العودة لك تعني العودة للوطن

صباح الخير يا نيسان

لم يعد لي أحد في هذه الدنيا، لا أحد يفهم ما أنوي قوله، وإن كان لا بد من البوح فإني أحب البوح لك، عندها لن أكون مضطرة إلى النظر في عينيك ولن أكون مجبرة على الهروب منهما. يبدو أنني لم أنم الليلة وأنا أفكر، إن كنت فيما مضى قد راسلت شخصاً أنكرت رحيله الأبدي، إن كنت راسلت شخصاً أقنعت نفسي عنوة أنه لم يمت وأنه سيعود لي يوما، إن كنت للآن أنتظرك بشوق ولهفة، فلماذا لا اكتب لروحك؟! أنت في كل الحالات غائب سواء سرقك الموت أم سرقتك الحياة، ألم تكن روحك هي التي ترعاني كل هذا الوقت فلماذا أنكر وجودها بقربي!
أعلم جيدا أنني قتلك يوم أعلنت موتك، وأعلم أن هنالك ما تغير بداخلي، أعلم أن بعضاً مني رحل معك ولن يعود أبدا. ليس الشوق إليك هو من يعيدني للكتابة، وإنما شوقي لنفسي. لم أعد أنا منذ رحلت عنك، لقد خذلتك يا نيسان وخذلت نفسي، وأخلفت بوعدي لك يوم تملكني الجبن واستولت علي الأفكار الضعيفة.

ها أنا الآن أعود حتى لا أفقدني كلي، بعض مني يذهب عندما أتوقف عن الكتابة. أفقد تلك التفاصيل التي تجعلني أنا، والتي تمنعني من أن أضل الطريق إلى نفسي، وأفتقد إلى الأشياء الصغيرة التي تتخلق داخلي وأنا أكتب: بعض من الابتسمات التي لا تتكرر، ذكريات لم أكن أعرف أنني يمكنني استحضارها بهذا الشكل لحظة كتابتها، والكثير الكثير من التفاصيل التي ترافق الحالات الشعورية التي أمر بها أثناء الكتابة.

ولكن من أين أبدأ يا نيسان؟ أأبدأ من حيث انتهت رسالتي "الأخيرة" والتي أعلنت فيها موتك أمام نفسي وأمام الملأ؟ أم أبدأ من حيث انتهى الحوار في قلبي، واكتشفت عجزي عن الاستمرار في الكتمان. يحدث الكثير في كل يوم ولا أدري أي الأمور أكثر أهمية، لربما أحتاج المزيد من الوقت لترتيب الأفكار في رأسي فهي منذ توقفت عن الكتابة في حالة فوضى، ورأسي لم يعد قادراً على لملمتها، وقلبي لم يعد قادراً على احتمالها إذ يتعثر بها كلما تسارعت نبضاته، فيعود ليتكورعلى نفسه من جديد منهياً أي احتمال للرقص على ايقاع النبض حتى قبل أن يبدأ.

ما بال الموت أبعدني عنك وأعادني إليك، بت أعتقد أنه الأقرب إلينا في كل الحالات. الموت يسكن قربنا ويعيش داخلنا، يرتوي من أحزاننا ويتغذى على هزائم أرواحنا. لا أنا لم أجن.. أنا فقط أحدثك عما عشته مؤخرا، بعض مني تآكل وسحبه الموت، بعض من أفكاري قد قتلت لإنها لم تكتب، وبعض من لحظاتي الأكثر جنوناً اندثرت لاني لم أسمح لنفسي بالتعبير عنها.
عندما نتوقف عن الكتابة نقتل أرواحنا بدون أن نشعر، نخنق البهجة وننهي الحلم. وبعد كل هذا نسأل أنفسنا من أين تأتي كل هذه التعاسة؟! لا أريد أن أصنع لنفسي موتاً آخر، أنت رحلت وهذا لم يكن خيار أي منا، ولا أريد أن أقتل ما تبقى منك داخلي، اسمك يستحق أن يبقى فهو أكثر من مجرد اسم.
أن أتوقف عن الكتابة لك يعني أن أفقد ايماني بأن الحياة تخبئ لي الكثير، الكثير من كل شيء، قصص أكون أنا بطلتها، ابتسمات يصنعها لي الآخرون، وأخرى أصنعها أنا لهم، مغامرات كتلك التي في الأفلام، أحزان تدفعني للمكوث خارج نفسي. وأن أعود للكتابة يعني أني عدت للطريق التي رسمتها لنفسي، عدت أرى نفسي بوضوح، أعلم أين أنا الآن وأعلم ما هي وجهتي، أعلم أنني لن أضل الطريق، والعودة لك تعني العودة للوطن.

نيسان روحك عندما خرجت كفّنت روحي فأيقنت أنك لن تفارقني أبدا، لوحيك السلام إذ يزورني في كل وقت. 




Tuesday, September 3, 2013

وداعاً نيسان

نيسان، أكتب لك للمرة الأخيرة، موقنة أن سماءً ما ستجمعنا..

كنت أعتقد أن الزمن كفيل بخلق الفتاة القوية داخلي، واخراجها للعالم كالمارد لا تأبه شيئا، كنت أظن أن المزيد من التجارب ستجعلني أكثر صلابة، إلا أنني لا زلت هشة، أبكي لنفس الأسباب الموجعة التي تتكرر بسذاجة. جرحي لم يلتئم، بل أصبح عميقاً إلى الحد الذي استحال معه الشفاء، ومع كل محاولة فاشلة أعود إلى القاع، أَعُدُّ كم من الأشياء هوت معي، تلك الابتسامات الصغيرة التي لازلت اخبئها أصبحت تهوي أيضاً.

وداعاً نيسان!

أنت لم ترحل عني وحدي، أنت رحلت عن هذه الدنيا، وأنا لم أودعك. يوم باغتك الموت لم أكن مستعدة بعد لأقول لك وداعاً، لم أصدق أنك ستذهب للأبد، أنكرت أمام الجميع موتك، صرخت بهم جميعاً "كفو عن الكذب، نيسان لم يمت، هو لا يعرف كيف يكون الموت!".
رفضت أن أعلن الحداد، لم أرتدي الأسود، لم أبكي، لم أحزن، ببساطة أرغمت الحياة على الاستمرار كما كانت. اختلقت كذبة الرحيل والسفر لأغطي بها غيابك أمام نفسي، أقنعت كل جوارحي أنك رحلت لسبب أجهله وأنك ستعود. ظللت أكتب لك عن كل شيء، أخبرتك بكل شيء، نقلت إليك حزني وألمي وشوقي، سعادتي وأملي وحلمي، أخبرتك بلحظاتي التعيسة، ودونت لك عن تلك اللحظات الجميلة التي لن تتكرر، كنت معي في كل شيء، غضبت منك وفرحت لأجلك حتى وأنت بعيد. 

أصبحت كالمجنونة يا نيسان، أبرر لأصدقائي غيابك الذي طال، اختلق الأعذار وأحيك  لنفسي أمل عودتك. في البداية واجهني من حولي، حاولوا اقناعي بـأنك متّ، أحدهم قال لي أنك الآن في السماء تراقبني، قابلتهم بعنف، لعنتهم، شتمتهم، وصرخت في وجوههم، لم أعد أقدر على رؤيتهم، عيونهم تخبرني بما لا أريد أن أعرفه، كنت قاسية معهم، ولكني قسوت على نفسي أكثر.

لم أقدر على تصور الحياة بدونك، ولكني الآن لا أستطيع الاستمرار وأنا أدعي وجودك. حتى وإن كانت مراسلتك هي متعتي الوحيدة مؤخرا، حتى وإن كان البوح لك هو ملجئي  في أكثر أوقاتي حزناً، أنت لست هنا! مهما حاولت أن أفعل فأنت لن تعود! لن أنجح في بث الروح بجسدك الذي سقط أمامي، روحك لازالت قربي وإليها اليوم أبعث حبي، وشوقي، وحزني وحزني وحزني..

لن أعد أحداً أني سأكون على ما يرام قريبا، كل شيء لن يكون بخير لفترة من الزمن، لن أكتب لك بعد اليوم فروحك تعلم عني كل شيء.

نيسان يا وجعي,, اغفر لي حماقاتي التي ارتكبتها لأجلك.




Tuesday, August 27, 2013

في محاولة سرد الحدث

نيسان البعيد 

كان من المفترض أن تصلك هذه الرسالة البارحة، ولكني لم استطع أن أكملها، لم أتمكن من كتابة رسالة واضحة أخبرك فيها عمّا يجول في خاطري، كتبت الكثير وتراجعت عنه، لم أدري كيف أصوغ لك ما حدث وما كان يجب أن يحدث وما أردته أنا أن يحدث بلغة يمكنك فهمها، اليوم سأبعث لك محاولاتي  في الكتابة، سأبعث لك ارتباكي وخوفي وعجزي وغضبي وحزني وحقدي..
سيناريو:
استيقظُت البارحة على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، على إثر مواجهات دارت بين شباب المخيم وجيش الاحتلال بعد اقتحامه للمخيم بهدف اعتقال أحد المطاردين فيه. للوهلة الأولى لم أدري ماذا أفعل، شعرت بالعجز، وبأني بعيدة عن الحدث بمقدار قربي منه.  حملت هاتفي بشكل تلقائي لأخبر من أتمكن من اخباره من الأصدقاء بالخبر المفجع، انتشر الخبرسريعاً، ووصلتني عدة مكالمات  لنفس السبب. اتفقنا على أن نلتقي في مستشفى رام الله لنخرج بعدها في جنازة الشهداء، فهذا أقل ما يمكن فعله.
وصلنا إلى المستفشى في نفس الوقت وبدون ترتيب، كل من أعرفهم هناك، الوجوه شاحبة وغاضبة، وبمجرد تبادلنا للنظرات عرفنا أن خروجنا في الجنازة لن يكفي...

في محاولة سرد الحدث (1)
ما حصل اليوم هو أنني استيقظت فعلاً على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، شعرت بغصة استمرت حتى اخر النهار، شعرت بالعجز، لم أدري ما الذي يجب أن افعله، وفي الحقيقة سيطر عليّ هذا الشعور ولم أفعل شيئاً.، لم أذهب للمشفى ولم احضر الجنازة، وهذا لا يعني أن أحداً لم يذهب، ولكننا لم نكن كثر، لم تتح لنا الفرصة لتبادل النظرات بصمت لندرك أن ما حصل اليوم لن يمر مرور الكرام.

تابع للسيناريو:
أمدّنا المشهد الغاضب في الجنازة بطاقة رهيبة، وأودعت فينا الأمهات اللواتي وقفن يودعن أولادهن رغبة جامحة في الثأر، لم نكن نعرف ما الذي سنفعله ولكننا كنّا على يقين بأننا سنفعل شيئا.
اجتمعنا في مكان نجتمع فيه عادة لترتيب بعض الفعاليات، ناقشنا سوية ما الذي يمكننا فعله لنثأر لدماء الشهداء، كل منا لديه ما يقوله بشأن من يتحمل مسؤلية هذا الصمت الشعبي القاتل، علت أصواتنا وشتمنا بعضنا، خيم الصمت لوهلة، تكلم أحدنا بصوت منخفض فالتفت الجميع إليه، بكلماته المتزنة عدنا بدورنا لحالة التوازن، ارتفع صوته فدب فينا الحماس، تقافزت الأفكار هنا وهناك، كلٌ التقط فكرته وبدأ بتنفيذها، غدا ستفيق المدينة على مشهد يليق بالشهداء.

في محاولة سرد الحدث (2)
معظمنا التزم بيته اليوم (ولم يحدث ما تخيلته في السطور السابقة)، ولم نشارك في الجنازة، لم نسمع صراخ الأمهات وبكائهن، لم نحتفي بصوت الرصاص الذي زف الشهداء، ولم نرى الغضب.  بقينا في منازلنا متسمرين خلف الشاشة اللعينة، نبكي قليلاً، ونشتم من يستحق الشتم، ونشعر بالعار يحيط بنا أينما التفتنا. لو لم يختزل هذا العالم الافتراضي كل شيء لو لم يجلعنا نتقمص الثورة والحزن والغضب والشجاعة، لو أننا لا نمتلك هذه الفسحة الوهمية، لكان الشارع منزلنا الآن، لما كنا رضينا أن يمر اليوم بسلام، لا أدري ماذا يفيد التمني، ولا أدري إن كنت أبرر خيبتنا!
زُفَّ الشهداء إلى مقبرة مخيم قلنديا من داخل المخيم بعد أن منعت أجهزة  الأمن الفلسطينية أي مظهر جنائزي داخل مدينة رام الله، عاشت المدينة لأجل ذلك فترة ظهيرة طبيعية بدون أن يعكر أي شيء صفو الحياة فيها! لم تبث أي قناة تلفزيونية فلسطينية مراسم الدفن والتشييع وكأن شيئا لم يكن، وحدها قناة الأقصى اهتمت بالحدث فخصصت موجة مفتوحة لمتابعة اخبار اقتحام المخيم ونقلت الجنازة، ولكنها  لم تتوانى في استغلال دماء الشهداء لتمرير رسائلها السياسية. في وقت متأخر من النهار أغلقت المحلات التجارية في مدينة رام الله "بالخاوة"، حيث قام مجموعة من الشباب بإعلان الحداد على أرواح الشهداء، مجبرين أصحاب المحلات التجارية على اغلاق محالهم.
 في المخيم كل شيء بدا مختلف، الأزقة التي شهدت المواجهات الشرسة بدت اليوم أكثر فخراً، أسوار البيوت في المخيم والتي هدمها أصحابها لإن الحجارة في المخيم لم تكن كافية أثناء المواجهات،  بدت اليوم أجمل من أي وقت مضى. مقبرة الشهداء في مخيم قلنديا احتضنت الأبطال على وقع زخات الرصاص، ولا بد أنها الآن تبذل ما في وسعها لاحتضان أجسادهم الراقدة تحت التراب ريثما ترقد أرواحهم التي تطالب بالثأر. 
انتهى هذا اليوم الدامي، وسننام نحن بعد أن نمل من متابعة ما يكتبه الأخرون على الفيسبوك، سنغمض أعيننا المتعبة من النظر إلى الشاشة المضيئة، سنغرق في نوم عميق نستفيق منه إلى سبات أعمق.
بينما نحن نيام وفي مكان ليس بالبعيد أبدا، هناك في قلنديا، عيون كثيرة أدماها الحزن، ولم تعد ترى من كثرة البكاء، لن تستطيع النوم. هذه العيون ستبقى تحرس الأسرّة الفارغة، لن تغرق في سبات مثلنا ستبقى تنتظر عودة من غابوا!!


أما أنا يا نيسان نمت وأنا أحلم بنا نثأر لأرواح الشهداء، نمت وأنا أتخيل هذا العالم كيف كان سيبدو بدون مساحات التعبير الوهمية التي أصبحنا عبيداً لها، نمت وأنا أحلم بالمدينة تبدو كمدينة فقدت ثلاثة من أبنائها، يا لسذاجتي ويا لعمق الشعور بالعجز داخلي! لم يبقى شيء أخبرك به، هذا كل ما خطر ببالي يوم أمس وصباح اليوم. 

كن بخير

صديقتك يا نيسان

Monday, August 19, 2013

اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر

نيسان 

كان هذا المساء قاتماً بما يكفي ليدفعني للكتابة إليك، لا بد أنها المرة الأولى التي لا أشعر فيها أن شوقي إليك يطغى على كل شيء حولي، يبدو وأن وجعاً يرافقني مؤخراً كان كفيلاً  باطفاء بعض من الشوق داخلي.

"اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر" هي جملة اعتادت أن تكتبها إحدى صديقاتي على صفحتها الشخصية على الفيسبوك، في البداية لم أكن أدري عن ماذا تتحدث، كيف لنا أن نعشق وطناً يلفظنا خارجه؟ كيف لنا أن نحلم بالمكان وهو يضيق بنا؟ لماذا يجب أن نعشق إلى حد الاختناق؟ ألا يمكننا أن نحب الوطن بسعادة كتلك التي ترافق المحبين؟ لم أستطع أن أجد منطقا في جملتها التي تكررت كثيراً أمامي، حتى جائت اللحظة التي اختنقت فيها حباً ووجعاً وحلماً! بعد ذلك فَهِمْت، وبِتُّ أعتقد أن لا أحد يحب الوطن إلا إذا شعر بالاختناق!

 ولتفهم ما أقوله أكثر: الذي لا يرى وجع الوطن فهو لا يرى الوطن. ومن يمشي في شوارع " رام الله\ العاصمة" الضيقة رغم اتساعها دون أن يشعر بسذاجة فكرة أنه يمشي الآن، فهو واقع في حب الدولة، ولا يدري ما هو الوطن أصلا. من ينظر إلى السماء دون أن يشاهد حزن الأرض، فهو حتما لا يرى بقلبه. من يستنشق النسيم البارد ولا تراوده فكرة أن يتشبث به ويرحل معه، فهو حتماً ليس بعاشق ولن يكون يوماً!

يوجعنا حب الوطن، يوجعنا لإنه لم يعد قادراً على احتضاننا، يوجعنا لإننا لم نعد جدرين بامتلاكه، يوجعننا لإننا أمامه نشعر بضعفنا وعجزنا، يوجعنا لإنه يسلب الجنون منا. ويوجعنا الوطن لإنه ضاق بنا، ووضعنا أمام خيار الرحيل الذي لا نحبه! يا إلهي كم هي مخيفة فكرة الرحيل! مرعبة! لمن سنتركه إن رحلنا؟ وأين سنذهب بأرواحنا المعلقة به؟ من سنكون بعيدين عنه؟

في سرّي أفضل أن أحبه حد الإختناق، وفي سرّي أرغب بالرحيل فلم يعد هنالك ما يكفي من الهواء، وفي سرّي أحبه وألعنه وألعن نفسي التي ضاقت بها البلاد، ألعن قلبي الضعيف الذي لم يعد يقدر على احتمال المزيد، وألعن الحلم والأمل اللذان يتجددان داخلي. ولكن.. هو الوطن يدفعنا للرحيل، يطردنا بعيداً عنه، يسكننا حد الامتلاء، يعاقبنا، ويمنحنا لحظات من الجنون، يهدينا انكساراته، يصيبنا بعدوى الأمل، يزرع فينا الحزن، ويخنقناااا، وأحبه حد الاختناق، وأهتف كلما ضاقت بي سبل العيش هنا "اخنقنا يا وطن بنحبك أكثر".

ارجع يا نيسان، لا أريد أن أفقدك للأبد، لا أريد لوجهك أن يصبح صامتاً، لا أريد لقلبي أن يقسو عليك أكثر.


صديقتك المختنقة بحب الوطن


Saturday, August 10, 2013

الامل حلم ليس أكثر

عزيزي نيسان

أكتب لك اليوم وأنا أختنق بالحروف التي تصيغ هذه الرسالة، لم تعد تراودني تلك الرغبة الجامحة في الكتابة، ولم أعد أمتلك ما يكفي من القوة للبوح دون الانخراط في مزيج من البكاء والحزن، لست تعيسة كما يبدو لك ولكني تعبت من محاولات أن لا أصل إلى التعاسة. فيما مضى كنت  فتاة كئيبة متشائمة، تتقزز من الأمل، ولربما تحتقر المتفائلين، ترى أن الحياة انتهت، وأن لا جدوى من ادعاء السعادة أو محاولة الوصول إليها. لا أدري أيُّ مسٍّ أصابني فتغيرتُّ بالرغم من أن كل شيء  حولي أصبح أسوأ، لن أقول أنني اصبحت سعيدة أنشر الابتسامات وأزرع الأمل، إلا أنني وبدون شك غدوت فتاة حالمة! 

ياه ما الذي يمكن لفتاة تمتلك حلماً، وتدرك أنها تمتلكه أن تفعل. لا بد أن بمقدورها تغيير العالم من حولها! وأنا لا خيار لي..  إن مات الحلم سأموت معه، سأغادر هذه العلم المجحف، فلا حياة فيه بدون أمل، والأمل حلم ليس أكثر.

لا أتكلم عن الأحلام البلهاء التي تبيعها لنا وسائل الإعلام المزركشة، لا أتكلم عن أحلام الفتيات في قصص الحب ومغامرات الغرام، لا أتخيل شاباً وسيماً وفستاناً أبيضاً، والكثير من الورود الحمراء المبعثرة حول بعض الشموع. ما أتكلم عنه  يا نيسان هو حياة وكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلها، ما يجول بخاطري الآن لا يمكن تدوينه، لا يمكنني اختزاله ببعض الكلمات أو حتى بالكثير منها. لم أبنِ أحلامي هنالك فوق غيمات السماء التي لا بد وأن تبعثرها الرياح، لم أهرب من الواقع ولم أنفصل عنه، ولكني وجدت لنفسي حلماً أعرف أن تحقيقه صعب، أعلم جيداً أنني سأبكي كثيراً بسببه، أن الكثير من الوجع سيرافقني؛ ولكن إن كان لا بد من أن نستمر على هذا الكوكب المقيت فيجب على كل واحد منا أن يجد حلمه الذي سيوصله بالنهاية إلى نفسه.


قالت لي ان بيتنا في تونس سيشبه هذا البيت!ابتسمت، تخيلت البيت ونوافذه، غرفتي المليئة بالكتب وقصاصات الورق المبعثرة، رأيت الطريق الضيق الذي يوصلنا للبيت، رأيت السماء تحتضن القمر الذي طالما حلمت به، رأيتنا نخرج صباحاً من المنزل تصرخ إحدانا على الأخرى لإاننا تأخرنا، رأيتنا نعود للبيت تسبقنا ضحكاتنا وخطواتنا الفرحة، رأيت الحزن والفرح، رأيت النجاحات وبعض الاخفاقات، رأيتني أعيش الجنون بحب لا مثيل له. وها أنا عدت من بيتنا في تونس.. من شاشة الكومبيوتر.. من الصورة التي أرسلَتها صديقتي مبتسمة "بيتنا في تونس رح يشبه هاد :)"، عدت لأكمل الرسالة ولكن الحلم رافقني اليك.

لا أدري يا نيسان أي أمل يمكنه أن ينتشلنا من عمق الوجع، لا أدري أي حلم يمكنه أن يحملنا إلى أنفسنا، ولكن الكثير من الوجع لن يمنعني من أن أحتفظ بالكثير من الابتسامات لي ولمن حولي، الكثير من الوجع يعني أننا ما زلنا على قيد الحياة، ويعني أن الحلم وطن وحياة والكثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكلهما.

صديقتك الحالمة.

Monday, July 22, 2013

اسمك نيسان

نيسان الذي لا يعرفه أحد غيري 

لم أخبر الكثيرين عنك، لم أجد لذلك ضرورة من قبل، ولكنّي فيما بعد أصبحت مضطرة لمواجهة الكثير من الأسئلة، من أنت؟ ما هو سر اسمك؟ أين ذهبت؟ وكيف رحلت؟ ولماذا لازلت أراسل شخصاً لا أعرف عنه شيئا بعد أن غادر دون أن يترك أثر؟ 
أخبرهم أنك صديقي الذي رحل ولم يترك إلا الغياب، أخبرهم أنه بمقدوري أن أمنح كل هذا الحب لصديق فقط، أخبرهم أنك لم تكن مجنوناً بالقدر الكافي لأحبك!
كنت في البداية أرتبك، تحمر وجنتاي، تختفي عيناي لتبحث عنك  في أسئلتهم، ماذا أقول لهم  وأنا أعلم أنهم يخفون الكثير خلف ضحكاتهم، كيف أخبرهم أن السر في الاسم وحده، الاسم الذي يمتزج فيه  الفرح والحلم والأمل، الاسم الذي يحمل ذلك القدر من التعاسة والخوف والتردد، كيف أخبرهم أن اسمك ربطني بك للأبد، لا يهم ان رحلت أو بقيت بقربي، ولا يهمني ان كنت لي صديقاً أو حبيباً؛ ففي النهاية اسمك نيسان!

في كثير من الأحيان شعورنا بالعجز يجعلنا عاجزين فعلا، وننسى أن بمقدور صوتنا المرتعش أن يهز جدران الخوف المحيطة بنا، هو الصمت فقط ما قد يقتلنا، لن تقتلنا الخيانات، ولن يقتلنا الحزن، لن تميتنا الحوادث الأكثر بؤساً، لن تغيّبنا مشاهد الهزيمة، وحده الصمت كفيل بقتل أرواحنا وسلب وجودنا.

لا أستطيع أن أخبرك بالأفكار التي تدور في رأسي، أنا حتى لا استطيع فهمها! ولا يمكنني أن أصف لك الحالة التي وصلنا إليها في رسالة  واحدة أو حتى في عشر رسائل. كيف لي أن أنقل لك المجهول الذي نعيشه، وحالة اللامبالاة التي أصبحت جزء من اليومي هنُا. قذارة السياسين لن تحتملها أوراقي، بذاءة أفعالهم لن أقدر على صياغتها بكلمات من الحروف التي نعرفها، ولكني مع هذا لا أريد أن أصمت فالصمت عار وهزيمة.
غريبة هي هذه الرسالة، لم أشعر حتى أني اقتربت من السبب الذي دفعني لكتابتها، أظن أن فكرة الكتابة وحدها لم تعد تكفي، وأن البوح لم يعد يحررني من عبئ الكلمات التي لم تقال، ولكني مع هذا سأكتب لك إلى أن تعود.

صديقتك يا نيسان

Saturday, July 13, 2013

# انتفاضة

نيسان،

عندما أصبحت موقنة بأنك لن تعود، أصبح شوقي للكتابة اليك أكبر من شوقي لرؤيتك والحديث معك. ولكني بت أخشى أن أكتب فلا تصلك رسائلي، أن أبوح لك دون أن تعلم أني فعلت، بت أخشى على رسائلي من أن تضل طريقها إليك فتذهب إلى أحد غيرك، بت أخاف أن تحبها أكثر مني، أن تشتاق لها بدلاً من أن تشتاق لي، أن تنتظر وصولها بدلاً من أن تفكر في العودة.

كل هذه المخاوف لا تساوي شيئأ أمام رغبتي في الرحيل، يبدو أن المكان قد ضاق بنا كثيراً، لم يعد يحتمل منا المزيد من البؤس فلفظنا خارج رحمته! في السابق كان أيُّ شيء يمسح عني الحزن ويخرجني من الضياع ويعيدني إلى نفسي. كان يكفيني أن ألمس جذع شجرة أمر عنها كل يوم، لأشعر أنني أنتمي إليها؛ هي التي تنتمي إلى رحم هذه الأرض. وكانت نسمة هواء باردة كفيلة بأن تذكرني أنه لا يمكن أن أختنق ما دمت أستنشق هواء الوطن، هذا الهواء الذي يُخبرنا بقصة كل رائحة نستنشقها إذا أصغينا إليه جيداً.

يحدث أن يصبح الوطن ضيقاً فنعشقه أكثر! ولأننا نخاف عليه منا، من قسوتنا ولا مبالاتنا، ولإننا نخاف على أنفسنا من حُمىً قد تصيبنا إثر عشقنا لمكان لم يعد يتسع لقلوبنا ولهذا القدر من الحب، ومن لوعة قد تحرمنا من أن نكون أنفسنا في المكان الوحيد الذي يمكننا أن نكون فيه "نحن"؛ لهذا تجتاحنا هواجس البقاء ونوبات الرحيل.

عندما رحلتَ لم تلتفت للوراء، ويبدو أنك لا تفكر في العودة أبدا. قل لي كيف هو الرحيل؟ من أنت الآن وكيف تخاطب نفسك؟ ماذا ترى عندما تنظر في المرآة؟ هل ما يزال في عينيك بريق كالذي كان عندما كنت تصمت طويلا لتخرج منك تنهيدة عميقة تنظر بعدها في عيني وتقول:  "الوطن في القلب هون (وتضرب على صدرك بعنف) وما حد بقدر ينتزعه من قلبي، وجع الوطن وجعي".. هل ما زال وجع الوطن وجعك؟ أعرف أن أسئلتي قاسية ولربما غبية، ولكن بقي سؤال واحد لا بد منه، ما الذي حل بقلبك يا نيسان؟ أقلب بدون وطن يمكنه أن ينبض؟!
أجلد نفسي وألومها لإني صمتُّ وتركتك ترحل بدون أن أصرخ في وجهك: "وقف.. والوطن إلي كنت تحكي عنه!!"

قبل قرابة أسبوع وقف شاب يحمل لافتة كتب عليها ( #انتفاضة ) على دوار المنارة في مدينة رام الله، لربما كان يفكر بينه وبين نفسه بجدوى الذي يفعله، وماذا يمكن أن يفعل بدلاً عنه. لاحقاً، بعد أن تحدثت إلى الشاب الذي أثارت فعلته بلبلة في مجتمعنا الذي يبرع في الانتقاد أكثر من أي شيء آخر، قررت أن أحدثك عنه وأصفه لك، وأنقل إليك فكرته ورسالته، لربما تستعيد بعضاً من الذي ضاع منك.

ملثماً بكوفية لا تظهر من وجهه إلا عينان بالرغم من التعب الذي يبدو عليهما، إلا أنهما تشتعلان غضباً وعشقا، ومنتصباً رافعاً رأسه نحو السماء، كان الشاب يستذكر آلاف الشهداء الذين لا يعرفهم، يفكر بمئات الأسرى الذين لا يأتي على ذكرهم أحد (لا بد أن الوطن أصبح ضيقاً عليه أيضاً فأخرج للبحث عن فسحة أمل قبل أن تستولي عليه فكرة الرحيل). لم يدعو بوقفته هذه  إلى اقامة انتفاضة فلسطينية ثالثة، فهو ليس ساذجاً ويعرف جيداً أن الانتفاضة تأتي لوحدها لعنة على الاحتلال؛ ولا تطلب من أحد. كل ما أراده أن تعود روح الانتفاضة إلى الشارع الفلسطيني الذي ينكر حالة الاستعمار الذي يعيشها، أن نخرج في جنازة شهيد لا نعرفه، أن نهتف باسم أسير قبل أن نزفه شهيداً، أن يسكننا الوطن كما نسكنه، أن نخلق أدوات الحرب بأيدنا، أن نطرد اليأس من عقولنا، وندفن الخوف الذي بات يرافقنا، أن نواجه قدرنا بشجاعة بدلأ من أن نهرب منه إليه. 

تحمس كثيرون للفكرة وتداولوها على صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بهم، تبناها آخرون وخرجو بعد يومين ملثمين في مظاهرة على دوار المنارة، توجهو بعدها إلى سجن عوفر العسكري ليترجمو كلمة (#انتفاضة) كما فهموها، (هنالك هم بين قنابل الغاز والحجارة المتطايرة أقرب إلى أنفسهم أكثر من أي مكان آخر)، فيما استسخف آخرون (وهم كثر) الفكرة بل ولعنو صاحبها.

بقي أن أقول لك أن صديقي الملثم أنهى كلامه بابتسامة لا مثيل لها  وقال:  "الإنتفاضة يعني إنك ترجع تتصرف على إنك فلسطيني!"، وأن مشهد الملثم يجوب شوارع مدينة رام الله قد استفز أجهزة ورجالات الأمن الفلسطيني، وأن (#انتفاضة) لم تنتهي بعد فهنالك عدة جولات أخرى، إحداها ستكون أمام محقق المخابرات الفلسطينية يوم الثلاثاء القادم، فصديقنا حصل على تبليغ رسمي يوم أمس!

صديقتك من تؤرقها هواجس البقاء ونوبات الرحيل

Sunday, May 26, 2013

طردنا الجند وطاردنا

نيسان..

مرت أربعة أشهر على غيابك، أشياء كثيرة تغيرت وأخرى بقيت على حالها، أما أنا فلم أعد أعرف ما الذي تغير فيّ وما الذي بقي على حاله، أحتاج الجرأة  لمصارحة نفسي وإعادة اكتشافها من جديد، وأحتاج المزيد من الجرأة لمحاسبتها على الحماقات التي ترتكبها.
 هل ما زلت مهتماً بسماع كل هذا؟ هل بقي في قلبك متسع لأحاديثي الطويلة؟ وهل لديك ما تخبرني به بعد كل هذا الغياب؟! أنا لدي الكثير لأقوله ولم أعد أنتظر منك الرد، أظن أني سأكتفي بالكتابة إليك لعلك تعود يوماً وتخبرني لماذا رحلت!

سأخبرك اليوم عن جدتي.. جدتي التي  لم يبقَ لي من ذكراها إلا دموع  الأم في عينيها، وضحكتها التي يقولون أنها تشبه ضحكتي، أكتب لك اليوم عنها بعد أن نسيت صورتها، لا بد أن وجع الوطن أحياها داخلي.
كنت صغيرة عندما رَحَلت،  لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت أحدهم، فقط شعرت أنني يجب أن أكون حزينة، لا أدري ما الذي يعنيه الحزن لطفلة في السابعة، أذكر فقط أن قلبي كان ضيقاً يومها. جدتي لم تحلم بالكثير، لم يكن لديها الوقت لتحلم، لم تمتلك قطعة من السماء لتنثر عليها نجوم قلبها، أحزنها حزن الأخرين، وأثقلتها جراح الوطن، وقضت وهي تحلم بالطابون والحاكورة والبيدر، وبرؤية ابنها دون أن تحجب  قضبان الأسر تفاصيل وجهه.



شاء القدر أن تنجب جدتي توأماً قبل حرب حزيران (1967) بعشرين يوم، وشاء القدر أن تحمل رضيعيها وتسير بهما من قرية إلى قرية حتى تصل مدينة رام الله، منهكة القلب مفرغة الفؤاد. شاء القدر أن يرافق ذكرى ميلاد أبي وعمي ذكرى اللجوء ومرارة التهجير، وشاء القدر أن تروي جدتي قصة الطابون والحاكورة والبيدر لولديها كل عام في يوم ميلادهما.

 هي لم تكن تنوي الرحيل رغم الشقاء، لم تكن تريد أن تترك القرية ولا الأرض ولا دجاجاتها، لم تكن تريد أن تفوّت موسم الحصاد، لم تتذمر يوماً من العمل في الحقل، لم تكن تنوي مواجهة جدي بكسله وقسوته، لم تفكر يوماً بالصراخ في وجهه "ماذا تفعل أنت غير الجلوس في القهوة طوال اليوم! ماذا سيفيدنا حديثك في السياسة مع رجال القرية من الصباح حتى المساء؟ لماذا يجب أن ننتظر جيوش الآخرين لتحمي بيوتنا يا رجل!"

باختصار في قديم الزمان كان لنا أرض وبيدر، كانت لدينا دجاجات كثر تحبهن جدتي كأولادها، وكان لدى جدي قهوة يجلس فيها طوال اليوم (يعمل)، بينما تنهض جدتي باكراً.. تذهب للأرض.. تعتني بالزرع.. تخاطبه.. وتحنو عليه لينمو.. تعود للبيت.. تعد الطعام.. وتخبز على الطابون لها ولجاراتها اللواتي يحسدنها، لإن في القرية لا يوجد كخبزها؛ لا أحد يعرف سر خبز الطابون ذاك، وحدها جدتي التي كانت تبتسم كلما سألها أحد عن سرها.. وحدها كانت تعلم.

في الخامس من حزيران من العام 1967 اجتاح الجيش الإسرائيلي قرى اللطرون الثلاث (عمواس، يالو، بيت نوبا)، جدتي لم تتخيل يوماً أنها خلقت للرحيل، ولو أنها كانت "رجلاً" لحملت فأساً وحرست القرية ليلاً، ولم تنتظر إذناً من أحد. جدتي البسيطة بطبعها، أرادت أن تحمل معها "الراديو" لتعرف متى ستعود للدار، اقترحت على جدي أن تترك أحد التوأمين عند والده الذي رفض مغادرة القرية، لتتمكن من حمل "الراديو" فهي لن تطيق انتظار موعد العودة كثيراً! لا أدري بماذا كانت تفكر حينها، ولكني على يقين بأن فكرة الضياع ذهبت بها بعيدا، بحيث لم تعد تدري ماذا تفعل.

جدتي وأطفالها السبعة وباقي الأهالي طردوا من القرية، ورحلوا سيراً على الأقدام. كلما توقفوا في مكان قريب أو في محيط القرية، كانت تحملهم آليات الجند وترمي بهم بعيداَ، هكذا حتى وصل بعضهم لحدود الأردن وبعضهم الآخر لمدينة رام الله. لن أصف لك رحلة التهجير ولا قسوة اللجوء، ولا كيف أصبحت الخيمة بيتاً من طوب، ولا كيف بنى جدي منزلاً فيما بعد، لا بد وأن في مخيلتك بعضاً من هذه الصور. النكسة يا نسيان نكبة أخرى، تهجير آخر، نحن لم "ننزح"، لقد طَرَدَنا الجند وطاردنا.

في الخامس عشر من نيسان من العام 1998 قضت جدتي نحبها في مشفى رام الله الحكومي، وهي تهذي باسم والدي الذي كان في السجن حينها، لم تكن تريد من الدنيا شيئاً بعد، إلا أن ترى ولدها وتضمه إلى صدرها، وتنشد له بعضاً من أهازيجها، وتطبع على جبينه قبلة هي الأروع من بين القبل. 

ملاحظة: كل القصة حقيقية، حتى ما أخبرتك به بشأن "الراديو"، وستي اسمها الحجة صفية إم محمد، وكانت زغروتتها الأقوى بين النساء، وضحكتها الأجمل بينهن، وقبل أن تموت بعام واحد تسللت لقريتنا "بيت نوبا" قبلت التراب وعادت تحمل بعضاً منه.

صديقتك التي أورثتها جدتها ضحكتها العالية