Tuesday, March 31, 2015

سنهزم أنفسنا بأنفسنا

نيسان.. 

أنت اليوم في كل مكان حولي، اسمك يبدو حاضراً في كل شيء، يراك أصدقائي في وهج عيني، وأراك أنا بقلبي في نبضه وسكونه. أهو الشوق يا ترى؟ أم أنك حاضرُ فعلا؟ هل عدت لتحرسني؟ أم أنني أصبحت مجنونة تصيبني ذكراك بالحمى فأهذي باسمك وأراك لتبتسم لي كلما عبست الدنيا في وجهي!

متعبة جداً يا نسيان لكني سعيدة، نعم سعيدة ولربما أقولها للمرة الأولى منذ زمن، سعيدة لأني أعرف نفسي وأستطيع تمييزها، سعيدة لأني أعرف حلمي وأحمله معي فيحملني إليه، سعيدة لأني لم أستسلم لحزني ولم يهزمني غيابك، وسعيدة لأني متعبة! ومتعبة لأني لازلت حية! أن تشعر بالتعب يعني أنك لازلت تقاتل، وأنك لا زلت تحتفظ بشيء ما بداخلك لتخوض به المعارك التي وجدت نفسك مجبراً على خوضها كي لا تخسر نفسك. 

بداخلنا عوالم كثيرة، ويخيل لي أنها ستحتلنا في لحظة ضعف، هل تخيلت يوما أن تحتلك الأفكار التي يحملها رأسك الشقي؟ هل فكرت يوماً أن ما تؤمن به سينقلب عليك؟ وأن الأغاني التي تحفظها وأبيات الشعر التي حفرتها في ذهنك ستهوي بك إلى وادٍ سحيق، وأن تلك المقاطع الغير مفهومة من كتب الفلسفة والروايات والتي أجبرت نفسك على الاحتفاظ بها ستحاصر روحك وستطلب منها الرحيل بعيداً! حينها سيغدو قلبك جافاً بلا موسيقى ولا رقص، وعيناك فارغتان بدون اسم او معنى. بداخلنا عوالم كثيرة لا ندري أين بدأت ومن خلقها ولا نعلم أين ستنتهي، وبداخل قلوبنا ممالك من حزن وأخرى من خيال لا ندرك حجمها، وتسكننا أحلام لا ندري كيف آويناها داخلنا.
سنهزم أنفسنا بأنفسنا، ولذلك لا أحد يستطيع كسرنا، ولذلك أيضاً نحن لا نتراجع، ونبقى واقفين رغم أننا ظننا أن وجعنا قد أفقدنا القدرة على النهوض، نحتفظ بالضحكات ونحبها صاخبة، نتمسك بالابتسمات ونحبها عميقة وغاوية، وننشر بريق أعيننا كالنور ونحبه نقياً كصرخة طفلٍ لحظة ولادته، وذلك لإننا نعلم جيداً أنه لن يهزمنا أحد إلا نحن!

البارحة أخبرت صديقي أني أعتقد أننا فقدنا هويتنا وانتمائنا ولكننا لا نشعر بهذا، وأن تجاهلنا للمشاكل والأزمات التي يراها الآخرون جانبية وغير هامة، وتهميشنا لأفكارنا الصغيرة جعلنا غير قادرين على حل المشكلات الكبيرة ولم يعد بامكاننا مواجهة مشكلتنا الأساسية، ولذلك أصبحنا نبرع في اختلاق الخلافات والاختلافات لنشغل بها أنفسنا، صمت صديقي قليلا وسألني: "يعني أزمة هوية؟" ربما، أجبته ، لكن صدقني نحن لم نعد نعرف ما الذي  نريده.  

نيسان.. عندما كانت روحي تحترق بسببك كانت روحك تحلق بعيدا لا أدري إلى أين، وأغلب الظن أنك أنت نفسك لا تدري، وأصبحت أعقد أن روحك هجرتك وتركتك تواجه الأسئلة وحيدا. وبدونها أنا لا أعرفك، ولا يمكنني أراك من خلال عينيك، روحك كانت بريقهما وروحك كانت أنت، وهكذا كنت أعرفك!
قبل أن أنهي رسالتي يجب أن تعلم أنني عدت أنسج لنفسي قصص تحمل نهايات سعيدة وابتسامات كثيرة، وأن بعض من الكوابيس التي رافقتني لأكثر من عام ونصف رحلت الآن، وأني وعدت نفسي أن أزور البحر لعلي ألقاك هناك، سأذهب إليه وإن لم أجدك سأترك لك أغنية لعلها تعود بروحك إليك.




يوماً ما ستجيء إليّ، وسيكون حضورك كما غيابك

صديقتك التي أسعدها التعب

Thursday, February 12, 2015

متأخرة بخطوة واحدة

نيسان،

ينقصني الشغف
ينقصني الشغف في كل شيء،

هل سبق وأن شعرت بأنك متأخر في كل شيء، متأخر بخطوة واحدة فقط، متأخر عن الحب بخطوة واحدة، متأخرعن الفرح بخطوة واحدة، متأخر عن الحزن بخطوة واحدة، متأخر عن حياة من تعرفهم بخطوة واحدة، متأخر حتى عن نفسك!
أنا هكذا يا نيسان دائما متأخرة بخطوة واحدة، متأخرة عن كل شيء، أصل متحمسة عندما يكون الآخرون قد بدأوا يشعرون بالملل، أصبح جزء من القصص المثيرة عندما تقترب نهايتها، أعرف البهجة بعد أن تشيخ وتخفت أضوائها، أزور الحزن في روحي لأواسيه وهو يحتضر.

في بداية هذا العام قررت أن أبدأ بكتابة يومياتي، كنت جادة بهذا القرار، ولكني لم أكتب أي شيء، لم يحدث ما يستحق الكتابة، كان هذا حتى ليلة أمس عندما نهضت مذعورة من فراشي ولم أستطع النوم، نبضي كان سريعاً وأنفاسي متلاحقة حاولت أن أشرب قليلاً من الماء لأهدأ ولكن ذلك لم ينفع، أشعلت الضوء الصغير بجانبي ونهضت من سريري ولا أدري كيف أحضرت دفتري وقلما كان بجانبي وبدأت بالكتابة .. وكان أول ما كتبته: "أعتقد أن روحي تحترق..!"
أفرغت ذعري في صفحتين، أغلقت دفتري، أعدته إلى مكانه، عدت إلى سريري، وظللت فيه حتى الصباح، لم أنم للحظة واحدة، ولكني لم أنهض منه ولم أفعل أي شيء!
أتظن أني أصبحت أخشى الكتابة؟ أم أني لم أعد قادرة على مواجهة مخاوفي؟ لو أنك تكتب لي مرة واحدة بعد، لربما سأواجه مخاوفي لأصل إليك، ولربما سأتوقف عن الكتابة وأمزق أنصاف الرسائل التي أكتبها ولا أكملها ولا أرسلها. أكتب لي يا نيسان، أكتب لي وأخبرني أنك لا تقرأ رسائلي أبداً، وأنها لا زالت مغلقة، وأن طبقة كثيفة من الغبار تغطيها. أكتب لي لتطلب مني بنبرة قاسية جافة أن أتوقف عن الكتابة إليك، أن أتوقف عن إرسال الرسائل عبثا. أكتب لي لتخبرني أنك تشتاق لي، وأن لا كلمة مما أكتب سترد إليك روحك، وأنك لن ترضى أن تلتقي بي بين سطور الكلمات التي أرسلها.

ولكنك لم ترحل!
ماذا يعني أن يخرج لي وجهك في فنجان القهوة، نعم كنت أنت كان وجهك ينظر إلي، كانت شامتك، وعيناك، ظننت أنني أتخيل وجهك في فنجاني بادئ الأمر ولكن صديقتي ضحكت عاليا وهي تنظر وقالت: "ها انظري انه وجه شاب في فنجانك! هااا عريس حتما إنه عريس". ابتسمت، أظنني ابتسمت لك، أأذهب بفنجاني إلى عرافة ما وأقول لها أخبريني ماذا ترين؟! ولكن لماذا أذهب؟ كنت أنت في فنجاني وهذا لا يحتاج إلى تفسير، لا أحتاج لأحد ليخبرني بأني أهرب منك وأنك تلاحقني، لا يمكن لأحد أن يخبرني أنني احتسيتك شوقا ذات مساء فخرج لي وجهك في فنجان القهوة.

كل شيء يحدث بسرعة، ما يشغلنا اليوم ننساه غداً فهنالك أمرٌ آخر لا يقل عنه شئناً أصبح يحتل أحاديثنا الصباحية، ونقاشاتنا على طاولة الغداء، وحتى مواضيع النكات والسخرية مع أصدقائنا. ما نراه اليوم حدثاً جللاً  يصبح أمراً عادياً مقارنة بما يحدث في اليوم اللاحق، لم يعد بنا طاقة أو حتى مزاج لندخل في نقاشات طويلة حول أي موضوع كان. لذلك ربما لم أعد أعلق لك في رسائلي على ما يحصل من قضايا وأحداث كما كنت أفعل سابقاً، ولربما أنا فقط أبرر لنفسي غيابي وعدم اكتراثي وعجزي عن الكتابة، ولربما في كل مرة أكتب لك حول قضية أو فاجعة سياسية ما أقول لنفسي "شو بدك بوجع هالقلب" وأتراجع عن الكتابة إليك، أعود بأوراقي إلى مكانها وأنسى أني كتبت رسالة لم تنتهِ بعد.

نيسان لا أريد أن أفقد شغف الكتابة إليك ولا أدري كيف أفعل هذا!
عد أو ارسل لي طيفك




Sunday, December 28, 2014

عن "الموتى" الحقيقين الذين كتب عنهم أحبائهم

أيها الغائب..

لم يعد البعد وحده ما يوجع، لم يعد رحيلك وحده القاتل، فوجودي مميت أيضاً. هذا الهواء الذي نتنفسه موجع، الاستقياظ في الصباح موجع، احتساء القهوة على عجل، الأفكار التي تراودني في طريقي إلى عملي، محاولة اختلاق كذبة مقنعة عن سبب تأخري في الصباح، محاولات الابتسام التي يُفشلها النبض الثقيل، ومحاولات الاستمرار أطول فترة ممكنة دون بكاء، كل هذا موجع وقاتل، وكل هذا يفوق الرحيل وجعا.
أن ندّعي طوال الوقت أنَّ كل شيء على ما يرام، وأنَّ أكبر انكسارتنا هي مجرد انتكاسة سننهض منها أقوى مما كنا عليه قبلها، وأننا نمتلك من الأمل ما سيمكننا من مواصلة ما بدأنا به غير مدركين انه انتهى منذ اللحظة الأولى التي شعرنا فيها بالتعب.
بِتُّ أقضي وقتا لا بأس به من الصباح وأنا أتفقد الأثر الذي تركه كل ما يحصل على ملامح وجهي، تلك الخطوط السوداء التي تزداد عمقا، أمرر أصابعي فوقها  ثم أتفقد أصابعي خوفا من إلتصاق بعض من السواد بأطرافها.

تحملّنا الأيام أكثر مما يمكننا احتماله، ياه كم نحن ضئيلون أمام وجع الاخرين! شعرت بعجزي وضعفي عندما رأيت الاخرين يفيقون من حزنهم وألمهم ويصفعون الموت ويمضون في حياتهم. أحسست بأن لا جدوى من الكتابة إليك عندما بت أشعر أن كلماتي تافهة وناقصة أمام كلماتهم. وجعي أصبح أعمق عندما اجتاحني حزن الآخرين، وفقداني بدى غريباً عندما أحسست بفقدانهم لأحبائهم. حينها فقط بدى كل شيء مختلف، كأنك ترحل من جديد، وكأن غيابك كان بالأمس.
بِتُّ أريد دفن الذكريات لا احيائها،  بِتًّ اريد نسيانك لا استحضارك، أنساك ليرحل باقي الموتى الذين لا أعرفهم ، ليرحل الموتى الحقيقون الذين كتب عنهم أحبائهم!

عندما قرأت ما كتبته هالة زوجة الشهيد خالد حمد إلى زوجها بعد استشهاده أحسست أن العالم توقف عند كلماتها، كان حزنها مألوفا ولكنه فاق أي حزن عرفته في حياتي. كم من الوجع حمَلَتْه هالة إلينا في رسالتها إلى زوجها الشهيد، وأي أثر تركه وجعها فينا!
توقفت عن الكتابة بعد أن قرأت رسالة هالو وتخيلت أنني لن استيطع الكتابة إليك مجددا، فعند رسالة هالة اكتمل الحزن، وبكلماتها وصل الوجع الحد الذي يستحيل بعده الشفاء.
خالد وهالة أبكياني كثيرا، أن تعاتب زوجة الشهيد وحبيبته زوجها لرحيله تاركاً إيها وطفلها الذي لم يراه وحدهما، وأن تعاهده أنها لن تفارقه حتى إن كان هو فارقها، أن تكتب له عن طفلهما الذي كانا ينتظران ولادته، وأن تصف شهور حملها الأخيرة بدون رفيق دربها الذي رسمت معه كل تفاصيل حملها وولادتها، وأن تعيش تلك التفاصيل وحيدة فيما بعد، كل هذا كان كفيلاً ليتوقف قلبي عن النبض.
رحل خالد إلى الأبد، ولا شيء سيعيده إلى عائلته من جديد، وأنجبت زوجته طفلة جميلة هي الآن مهجة قلب أمها، وأملها في هذه الحياة التي لم تكن منصفة معها أبدا. وها أنا أكتب إليك مجددا، وسترى إرتباكي وترددي في رسالتي فهو واضح جدا، ولكن في النهاية كان لا بد أن أعود إليك أنت الذي لن تعود إليّ أبدا.

هل أخبرتك من قبل أن البهجة هي أجمل ما فينا لكنّا نخشاها؟! نخشى على أنفسنا من لحظة حزن قد تباغت عيوننا إن ابتسمت مطولاً، ونخاف أن تسرق البهجة الحزن من قلوبنا ونحن بتنا نقدسه، حزننا الذي هو أصدق ما فينا وأنبل ما تحمله قلوبنا، أي تناقض هذا الذي نعيش فيه يا نيسان! 
ها قد أتى الشتاء من جديد، وأنا ما زلت لا أطيقه، الشتاء قاسٍ ومظلم، والبرد موحش، نعم البرد موحش، وليالي الشتاء الطويلة تدفعنا للتكور داخل أنفسنا فنشعر حينها كم نحن وحيدون وضعيفون. لست سودواية جدا، ولا تخف فأنا لم أتحول إلى كائن مقيت عابس، ولكن البوح لك ينتهي بي هنا، إن لم أعرّي حزني أمامك، وإن لم تصغي أنت إلى حماقاتي فمن سيفعل!
أخباري لا جديد فيها، بت أريد الرحيل أكثر من أي شيء آخر، الابتعاد عن كل شيء يبدو حلاً مناسباً، ستقول لي أن الهروب ليس حلا، ولكني لم أعد أمتلك شيئاً هنا، ولا أريد أن أخسر نفسي في جملة ما خسرته من أشياء. ومع كل هذا لا زلت أحتفظ بباتسامتي التي تعرفها جيدا، لن أتخلى عنها فما كان لك يوماً  لن يجبرني أي أحد على التخلي عنه.


إلى أن أراك.. أبعث إليك ابتسامتي وشوق لا ينتهي



Saturday, April 12, 2014

عن ستي صفية

عزيزي نيسان،

كنت قد أخبرتك من قبل أن المكان ضاق بي، وروحي لم تعد قادرة على التحليق في سماء باتت تعجز عن احتضانها، وكتبت لك مراراً عن توقي للرحيل. كنت قد صورت لك حزني ووحدتي ولكنك لم تفعل شيئاً غير أنك كففت عن الظهور، قل لي أني سأصبح روحاً تحلق في السماء وسآتي إليك.

أكره هذا الشعور القاتم،  شعوري بأني وحيدة رغم الاكتظاظ الذي يعبث بحياتي، لا أدري اي تناقض هذا، ولا أدري متى سأنتهي منه. أحتاج لنفسي قوية لأقف بجانب نفسي، احتاجها لتصوبني عندما أخطئ، أحتاجها لأشكو لها ضعفي وبؤسي عندما تصبح خطواتي ثقيلة، أحتاجها لأحلم ولأبقى.


منذ مدة ورأسي ممتلئ بأفكار حول الموت،  ماذا لو مت غدا؟ّ مذا لو كان هذا اخر يوم في حياتي، هل قلت كل ما أريد أن أقوله؟ هل أخبرت الذين أحبهم أني أفعل؟ ماذا عن الأحلام التي سأتركها خلفي؟ لمن سأتركها؟ هل تستحق مني هذه الحياة أن أتمسك بها أكثر؟ ما الذي سيدفعني لطرد فكرة الموت بعيداً والبحث عن اسباب الحياة والتمسك بها؟ هذا العالم مميت وقاتل يا نيسان، كل يوم نخسر شيء من الذي يضيء أرواحنا، ولا شيء يمكنه أن يعوضنا عن خساراتنا الصغيرة هذه.

في مثل هذا اليوم، وقبل ستة عشرعاماً توفيت جدتي. رحلت وتركت خلفها الكثير من الحزن، والكثير من القصص التي لم تحكها لنا. لروحها أبعث سلامي وشوقي، ولكن دعني أخبرك المزيد عنها.

عندما ماتت جدتي أصبحت نجمة في السماء، الجدات لا يرحلنّ عندما يمتن، لا يمكنهنّ أن يغادرنّ بهذه البساطة، هنّ فقط يصبحنّ متعبات متعبات جداً "وجع القلب بقصر العمر يا ستي"، وجدتي كان نصيبها من الحياة كل الوجع . قلبها الكبير لم يعد يحتمل، لحظات الانتظار أصبحت ثقيلة، ودموع الصلوات أصبحت مُرّة. حدثتُكَ عن "ستي صفية" من قبل، جدتي التي أورثتني ضحكتها الرنانة. وأكتب لك اليوم عن جدتي التي رحلت ولم أبكها. لم أبكها لإني كنت صغيرة لا أعرف معنى الموت، أنا لم أودعها ولم أرها ميتة، ولذلك بقيت في ذهني صورتها وهي على سجادة الصلاة، في حضنها مسبحتها الطويلة.

أراها ترفع يداها عالياً للدعاء ويختفي صوتها عندما تبدأ في البكاء، ويختفي بكائها عندما تراني استرق النظر من شق الباب، فتدعوني بيدها وتجلسني في حضنها، تداعبني حتى يعلو صوت ضحكتي تتبعها صوت ضحكتها، وبعد أن تتعب من الضحك تصمت قليلاً وتمسك بيدي وتنظر في عيني وتسألني: "أبوكي رح يطلع من السجن؟" ودون تردد أجيبها: "ااه طبعاً رح يطلع!".

أخبرتني أمي أن جدتي كانت دائماً تسألنا هذا السؤال: "رح يطلع أبوكم من السجن يا ستي؟؟" وكانت تقول: "خذ فالها من اطفالها". اجاباتنا أو نظرات عيوننا الصغيرة كانت تعني لها الكثير، جدتي كانت تؤمن أن الاطفال يقولون الصدق دائما، وأن الله هو من ينطقهم. في المرات القليلة التي كنّا نجيبها: "ستو بابا مطول ليطلع" كانت تصمت حزناً، وتغيب ضحكتها عن المنزل لعدة أيام.

لطالما سألت نفسي: ماذا لو لم تمت جدتي؟ يأخذني السؤال بعيدا بعيدا، لكان بيتها الآن جنة أحفادها، لكانت رائحة خبزها تدفئ الجدران القاتمة، ولكانت مزهرياتها المزركشة في مكانها في زوايا البيت وفوق النملية وعلى حافة النافذة، لكانت صورنا مغروسة في البراويز الكبيرة تبعث فيها الحياة، ولكنت الآن بقربها أداعبها وأمازحها وأخبرها أنها لازالت صبية وأنها جميلة تنافس صبايا العائلة بجمالها، وأني أحب غطاء رأسها الأبيض الطويل وأحب عصبتها المزركشة وأني أحب شامتها وأني ِأشبهها .. "صح يا ستي أنا بشبهك؟ أحكيلهم إني بشبهك خليهم يغارو مني..". ولكن جدتي الآن نجمة في السماء، نجمة بعيدة ومضيئة، وأنا لا أشبه نجمات السماء، ولا أعرف كيف أصبح مثلهن.

قبل عدة أيام التقيت بصديق لي صدف أن جدته كانت مريضة، لا أدري كيف حضرت جدتي إلى بالي حينها، أحسست أني مشتاقة جداً لها، وأحسست أن رحيلها كان صعب. لازمني هذا الشعور طوال اليوم وكأن جدتي ماتت البارحة، فقررت أن أمر بالمقبرة لأزورها في طريق عودتي الي البيت، وهكذا فعلت. وصلت المقبرة وكانت فارغة تماماً إلا من هذا الكم الهائل من الشواهد البيضاء، دخلت من الباب الذي اعتقدت أنه يوصل إلى قبر جدتي، ولكن كل شيء بدا مختلفا، قبر جدتي لم يعد بمكانه! قرأت شواهد أكثر من مائة قبر، وتجولت في المقبرة لمدة نصف ساعة أو أكثر، ولم أعثر على قبر جدتي. ياه كم مر من الوقت حتى نسيت أين هو القبر، غضبت من نفسي وشتمتها وعدت إلى المنزل دون أن أزور جدتي.

في صباح اليوم التالي علمت أن جدة صديقي قد توفت، غمرني حزن عميق، أنا لا أعرفها ولم أسمع عنها إلا القليل، ولكني أحسست بها تغادرني، وكأنها مرت أمامي مصطحبة معها جدتي، لم أكن قد فكرت بموت جدتي من قبل، لم أفكر بقلبها الذي اهترئ حزنا فقرر أن يستريح، ولم أنتبه لحقيقة أنها رحلت ولم أبكي لرحيلها إلا متأخراً. في تلك الليلة أخذني البكاء، بكيت كثيراً وودعت جدتي وأهديتها الكثير من الكلام، حاولت أن أتذكر كل التفاصيل التي جمعتني بها، بعض مما تذكرته كتبته لك، والبعض الآخر احتفظت به لنفسي.

أعلم أن الموت قريب منّا جدا، أعلم أنه يراقب خطواتنا، ويعد أنفاسنا، أعلم أنه يرافقنا إلى النوم، وأنه يستيقظ قبلنا في الصباح. الموت ليس حدثاً منفصلاً، وليس اللحظة الذي يصبح فيها الجسد دمية لا تتحرك، الموت في كل شيء والموت في التفاصيل. ونحن بالرغم من ذلك نعيش ونتشبث بالحياة، ونحلم ونقتات على الأمل، نحزن وتهرم قلوبنا ونظل ننتظر لتعود لصباها من جديد. 


صديقتك التي هَرِمَ قلبها
\

Sunday, February 23, 2014

فتاة بضفيرة

نيسان يا كل الحكاية،

اشتقت إليك، ويكاد الشوق يذهب بأنفاسي بعيداً بعيداً إلى حيث أنت. أين أنت؟ لم أعد أشعر بك قربي، نادرة هي الصباحات التي تكون فيها ابتساماتي لأجلك، أين تكون روحك حين أحتاجها؟ أين تذهب كل الأمنيات التي أبعثها إليك؟ أين أنت يا نيسان؟ ظننت أنك ستكون موجوداً في كل مكان، فأنت في قلبي ما دام في قلبي نبض.

مُتعِبٌ هو حبك وقاتلٌ هو رحيلك. لا أدري إن كنت سأتخلى عن طقوس الحزن يوما، أنا لا استحق الوحدة التي أورثني إياها موتك، ولكنك حتماً تستحق مني كل هذا الحزن. كنت أواسي نفسي بانكار موتك، أنت رحلت ولم أكن قد أدركت معنى الموت بعد، رحلت وتركت لي الغياب، كل الغياب..

أجد صعوبة في الكتابة إليك، بِتُّ أفضل الصمت على محاولة لملمة كل ما يحدث وسرده لك في رسالة قد لا تصلك، ولكنَّ الصمت متعب أيضاً، ولذلك قررت أن أكتب، لا أدري إلى أين سيأخذني الكلام، لربما يأخذني إليك.

مؤخراً بت أشعر أنني أشكل عبئا حتى على نفسي، لم أعد قادرة على التعامل مع الأمور حولي، هنا صخب لا منطق له، تبدأ الاشياء وتنتهي قبل أن أدركها، البارحة فقط كان هنالك وهج في قلبي واليوم انطفئ، ولا أدري من أشعله ومن اطفئه. 

استيقظت صباح اليوم في ساعة مبكرة جدا، الكل نائم، انه يوم عطلتي، لم أنم جيداً فليلتي كانت تعج بالكوابيس والأحلام غير المفهومة، ولكني استيقظت! فتحت النافذة واطرقت السمع، لا يزال الكوكب نائما، ابتسمت، أحسست أنني أملك هذا الهدوء. عندها فقط انتبهت إلى  أن اطلالة نافذتي لم تتغير منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً.

قبل خمسة عشر عام انتقلنا إلى منزلنا هذا. شقة جديدة، لم تكن جاهزة بعد، كانت بدون ماء، وبدون إنارة، وبدون أبواب داخلية، ولكنا انتقلنا إليها. السبب في ذلك أن أبي الذي أمضى ما يقارب السنتين ونصف في الاعتقال الإدراي لدى الاستعمار الصهيوني خرج من المعتقل ولم نكن قد أنهينا تجهيز البيت بعد. ولإننا لا نمتلك مكاناً آخر نذهب إليه، فالبيت الذي كنا نسكنه أنا وأمي وإخوتي في فترة اعتقال والدي كان في منطقة تابعة "للسلطات الإسرائيلية" ولم يكن باستطاعة والدي الذي يمتلك هوية خضراء وسجلا أمنياً حافلاً لدى "دولة الاستعمار" أن يصل إليه. انتقلنا إلى الشقة الجديدة قبل أن ننتهي من اصلاحها. وأصبحت الشقة الأرضية في الاسكان الكبير الذي لا يزال قيد البناء تعج بضحكات أطفال ظنوا أن البيت الجديد هو عالمهم السعيد.

فيما بعد أكملنا اصلاح البيت وغيرنا تقسيمه أكثر من مرَة، جددنا الطلاء أكثر من مّرة، كما بدلنا الأثاث، ولكني ظللت أراه كما كان عندما نمنا فيه للمرة الأولى، بيت فارغ جدرانه بدون طلاء، غرفه بدون أبواب، والطريق إليه بعيدة.

قبل أن أعود للنوم أدركت أنني أمضيت في هذا البيت ما يكفي، وأن الرحيل عنه قد أصبح ضرورة لا بد منها، أعتقد أن أمي تشاركني هذا الرأي ولكنها بالتأكيد تمتلك منطقا مختلفاً لذلك.  يبدو الأمر وكأن هنالك مدة محددة تصلح للعيش في بيت العائلة التي نولد فيها، هذه المدة تتحدد وفقاً لمسار مسبق يضعه الأهل لمستقبلنا. تخضع كل مرحلة من مراحل حياتنا لمعايير وضعت مسبقاً تقيس مدى نجاحنا ومقدار فشلنا، تسوء الأمور في نهاية كل مرحلة في حال لم نقترب من النموذج الذي رسمه لنا أهلنا في مخيلاتهم، يبدأ الأهل في التذمر من فشل أبنائهم، ويدخلون في حالة من الاكتئاب تفرض عليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا فشل أولادنا؟ وهل نحن السبب في ذلك؟ عدة مرات في اليوم.

في حالتي كان من المفترض أن تسير الأمور بشكل مختلف عما هي عليه الآن، تعتقد أمي أنني الآن يجب أن أفكر في شيء واحد هو "الزواج"، بالنسبة لها هذا هو المسار الطبيعي لحياتي وليس هنالك أي احتمال لمسارات أخرى، ولذلك فهي لا توفر جهداً لاتمام مهمتها في مساعدتي في العبور للمرحلة الأهم في حياتي، ولهذا يبدو رحيلي عن البيت بالنسبة لها منطقي جداً.

انهيت دراستي الجامعية بتقدير جيد جداً قبل ثمانية أشهر، حياتي المهنية تسير بشكل مرضي فأنا بشكل أو بآخرأعمل منذ تخرجي في مجال تخصصي، وأنا الآن أعمل بجد من أجل الحصول على منحة لإكمال دراستي، ولكن أي من هذا لايقترب من النموذج الذي تريده لي أمي! 

أعتقد أن بقائي هنا سيجعلني أفقد العلاقات الدافئة التي تربطني بأٌقرب الناس إلي لمجرد أنها دخلت حيز الرتابة، وامتزجت مع اليومي المقيت للحياة. أمي التي تظن أنني بت جاهزة لما تراه هي طبيعي وضروري، لا تعلم أن كل ما أتمناه الآن أن أكون فتاة بضفيرة، ضفيرة طويلة تتأرجح على ظهري كلما خفق قلبي.

لا أريدك أن تظن أنك مصدر تعاستي، حزني عليك لا بد منه، وشوقي لك كان حتى قبل أن ترحل، كل ما في الأمر أن رحيلك جعلني أكثر هشاشة من قبل، وأنني لن استطيع فتح قلبي لأحد غيرك بهذه السهولة، لا يمكنني أن أنظر في عيني أحدهم دون أن أتذكرك، ولكني أجزم أن السبب هو أن لا أحد ينظر إلي كما كنت أنت تفعل، لقد كنت تراني بقلبك يا نيسان. 

حتى يجمعني بك حلمٌ ما.. لك كل الشوق


Tuesday, December 31, 2013

لنودع العام سوياً

نيسان ، لنودع العام سوياً

انتهى العام الذي بدأته باقبال على الحياة وشغف للمضي قدما، انتهى العام الذي بدأته بنخب البدايات التي تدوم وتترك أثر الطيف الملون اذا انتهت. انتهى العام الذي كنت أعتقد أن روحي ستولد فيه من جديد. انتهى العام وانتهت معه كثير من التفاصيل الحميمية، أو لعلها ماتت. انتهى العام الذي جئتَ فيه إلي، ورحلتَ فيه عني، فذهبت أنا إليك يا نيسان. انتهى العام الذي عرفت فيه كيف يكون وقع الانكسارات المتتالية، كيف تقع وأنت لازلت تحاول الوقوف، كيف تحمل الوجع وترحل معه من عالم إلى عالم وأنت لازلت في عالمك الذي لفظك خارجه.

 كتبت هذه الرسالة عدة مرات، وفي كل مرة كنت أفشل في قول ما يليق بوداع سنة كاملة من حياتي. بدل أن أكتب لك عما حققته في هذا العام وعما فشلت في الوصول إليه، بدل أن أخط لك انجازاتي واخفاقاتي، كنت أُغرقك في سطور من الاحباط، وأغرق نفسي بأكوام من التعاسة استحضرت ما يكفي منها في محاولات الكتابة الفاشلة. توقفت عن الكتابة ليومين أو أكثر، ورحت استحضر العام كاملاً فلم تحضرني إلا التفاصيل الحزينة والمؤلمة، كانت ابتسامات العام المبهجة تنكسر سريعا أمام الغصات التي حفرت القلب وأدمته.

 في الحقيقة أنا لم أعتد على أن أبداً شيئا بهذه البهجة، ولكنني قررت أن أبدأ عامي بأن أرى الطريق أمامي يتسع، والحلم مني يقترب. لعلني كنت متحمسة لانني سأنهي دراستي الجامعية. تخيلت حينها أن العالم سيكون بانتظاري حاملاً مفاجأته السارة التي لا بد أنني أستحقها، ومخبئاً بعض الاخفاقات التي لابد وأن ترافق أي كائن بشري لديه حلم يسعى للوصول إليه. 
انتهى العام ويبدو أنني لست قوية بما يكفي لاستيعاب رحيله، يصعب على أن أودع شيء لم أنتهي منه بعد، كيف سأبدأ عامي الجديد وأنا أحمل أثقال العام الذي مضى، كيف لي أن أحلم بالبدايات الجديدة وأنا لازلت عالقة بما بدأته ولم أكمله بعد.

بدأت هذا العام وأنا أنظر إلى قصاصة ورق صغيرة كنت قد كتبتها في وقت متأخر من نهار يوم 31-12-2012،  تحتوي على ما أريد أن أفعله في عامي الجديد، ولأجلها كان صباحي مليئاً بالضحكات. أنظر إليها اليوم ولا أدري كم كنت موفقة في تحقيق بعض مما كتب فيها، وهل أستحق اللوم على عدم تحقيق ما تبقى. من يحمل معي عبئ انكسارتي التي تبدأ من هذه الورقة وتنتهي فيها. أكتب لك وأنا أنظر إلى سذاجة أمنياتي، لم أطلب من الحياة كثيرا، لم أرهق الليل بأحلامي، كل ما كتبته في تلك الورقة كان سيحصل لو لم أسقط أنا خيبة، ولو لم تصفعني تفاصيل الحياة على وجهي مراراً.

لم يكن العام خرافيا، لم تحدث فيه المعجزات التي انتظرتها، بقيت طوال العام انتظر رسائل لم تصل وزائراً لم يأتي. ولكني كنت أقول لنفسي دائماً "بعض من الأمل قد يأتي متأخرا". أعلم أنني محاطة بأناس رائعين، أعلم جيدا أن عامي هذا كان سيكون حالك الظلمة لولاهم، ويجب أن تعلم  أنهم ينيرون زوايا قلبي، ويملئون فضائات روحي الفارغة. ومن المخجل جداً أن أشعر رغم وجودهم أنني وحيدة للحد الذي تبدو فيه فكرة الوحدة مرعبة. لا أدري ما السبب في هذا، ولكني في بعض الأحيان أرحل مع الحزن بعيدا، بعيداً جدا، ولا أدري كيف أعود. عندها أشعر بداخلي كساحة المعركة بعد أن انتهائها، حطام وليس أكثر من حطام. ولكني في كل مرة أستجمع نفسي، وأنفض الغبار عن روحي المنهكة، أشعل ما تبقى من الأمل، أصنع الابتسامات.. وأمضي.

رافقتني الكثير من الأوهام هذا العام، بسذاجتي صدقت أنها يمكن أن تغدو حقيقة في أي لحظة، ولكنها بقيت كما هي مجرد خيالات وانفعالات لفتاة ظنت أن الأشياء يمكن أن تتبدل فقط لانها أرادت ذلك. وهم أني امتلكت قدراً لم أمتلكه يوماً من الحرية، قدراً بسيطاً يكفي فقط لأعيش نهاراً واحداً بالشكل الذي أريد. وهمُ أن أجلس أمام أفق المدينة لحظة الغروب فيبدو لي وكأن البحرأقبل باسماً ليلقي التحية على أفكاري التي خرجت من رأسي قليلاً لترتاح. وهمُ أن الحب قد يسبق الحرب هذه المرة فيضيء في القلب نوراً ليدفئه. وأخيرا "أنت، نيسان" 
بقي أن أحدثك عن الشيء الوحيد الذي سأحمله بفرح معي إلى العام الجديد، مجموعة من الفتيات اللواتي أنهكهن الحلم مثلي تماماً، كل واحدة فيهن لا تريد سوا أن تعيش الحياة بما يليق بجنونها. في البداية لم أعتقد أن وجودهن سيشكل هذا الفرق، إلا أنني بت متأكدة أننا نخبئ للقدر الكثير من المفاجآت. ستمضي كل واحدة منا في طريقها الوعر، ستمحو أثر الخيبات التي أغرقتها بها معارك الآخرين، وستخوض معاركها الخاصة. ستصنع لحياتها تفاصيلها الخاصة، سيكون الحزن حزنها الذي اختارته لنفسها، وسعادتها هي السعادة التي صنعتها بنفسها.

لم أشأ أن أنهي الرسالة بهذه الطريقة، ظللت أنتظر لآخر يوم في العام لعل شيء ما يحدث، لعل شيئاً مما انتظرته يأتي، ولكن كل شيء بقي على حاله. أودع العام وأنا أكثر انكساراً من أي وقت مضى، أودعه بعد أن أصبحت بشعر قصير لا يشبه حلمي، أودعه متعبة بعد أن أنهكتُ نفسي وأنا أحاول أن أكتبه لك بتعاسة أقل من هذه، أودعه والشيء الوحيد الذي أنتظره في العام الجديد هو أنت!

صديقتك، من ليس لها سواك

Tuesday, December 24, 2013

ليبراليو المدينة يخشون نسوياتها

عزيزي نيسان، 

يبدو عنوان رسالتي عنواناً طريفاً لمقالة صحفية أو ورقة أكاديمة، قد يكون الدافع في كتاباتهما حادثة طريفة أو قصة مؤلمة. ولكنها ليست حادثة واحدة أو قصة يا نيسان، إنها حياة يومية نعيشها في عاصمة أوسلو التي أنتجت في خضم ما أنتجته ليبراليين معقدين، وشبه حركة نسوية مشوهة. والطريف هنا هو الأزمة التي نشأت بين ليبرالي المدينة الذكور ومنظراتها النسويات!

تتكاثف الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية في مدينة رام الله، لتحصر مجموعة من المثقفين والمستثقفين والنشطاء السياسيين وحملة "الفكر الليبرالي" وبعض "اليساريين" داخل جماعة ضيقة ومتداخلة مليئة بالتناقضات. إلا أنها ولسبب ما تعيد التقوقع داخل نفسها، رافضة الاعتراف بأنها تعاني مزيجاً عفناً من المشاكل، صدّرتها إليها المدينة التي تدعي الحداثة، فسمحت لروادها والقاطنين فيها بممارسة بعض طقوسها بحذر، مانحة اياهم حرية مزيفة.

لا أريد الخوض كثيراً في المشاكل التي تعانيها جماعة ليبراليي ومثقفي رام الله ونشطائها السياسيين، وإنما أريد أن أحدثك عن إحدى هذه المشاكل والتي تزداد حدتها يوما بعد يوم، وهي الصراع الخفي بين ليبراليي المدينة ونسوياتها. فقد قرر ليبراليو رام الله اتخاذ موقف معادٍ للنسويات والحركة النسوية وحَمَلة الفكر النسوي. يتجسد هذا الموقف المعادي في النقاشات الحادة التي تدور بشكل مستمر بين هؤلاء وأي "ناشطة نسوية" أو حاملة  للفكر النسوي، وغالباً ما يتحول هذا النقاش إلى تبادل الاتهامات بالتخلف والتعصب أو الرجعية، والتباهي بالأفكار الغربية الدخيلة على المجتمع، إلى الاستعراض ومحاولة لفت الانتباه، وقد يتخذ النقاش شكل الاستهزاء والاستخفاف بالفكر النسوي وحَمَلته، واطلاق النكات السخيفة تتبعها القهقهات العالية معلنة انتصار "الرجولة"!
"نعم نحن ليبراليون.. ولكننا، لا نؤمن بالفكر النسوي ولا بحرية اعتناقه",, "نعم نحن مع حرية المرأة وحقوقها.. ولكن، دون أن تمس رجولتنا",, "نعم نحن مع أن تكون المرأة سيدة نفسها وصاحبة القرار فيما يخص حياتها الشخصية وأن تمارس "ليبراليتها" معنا.. ولكن، لا يمكن أن نسمح لها أن تمارسها وحدها ولأجل نفسها".

أنا لا أبالغ أبدا يا نيسان، كيف يمكنني أن أفسر "فوبيا النسوية" التي يعاني منها ليبراليو المدينة، حيث تُهاجم الفتيات اللواتي يدعين أنهن يحملن الفكر النسوي من  قبل ذكور المجتمع الليبرالي (نشطاء ومثقفي رام الله) بطريقة أصبحت مقرفة في الآونة الأخيرة. لا وبل أكثر من هذا فليس بالضرورة أن تحمل الفتاة فكراً نسوياً ليتم مهاجمتها والاستهزاء بها، فيكفي أن تبدي تذمرها من المجتمع الذكوري العفن الذي تعيش فيه، حتى تنهال عليها الجمل والعبارات التي تستنكر ما نطقت به من كفر. 

اتفق معك أن التنظير النسوي في مجتمعنا لم يخرج من اطار تنظير النخب، عدا عن انفصاله عن الواقع وبعده عن التطبيق. وأن الكثيرين والكثيرات ممن يدعون أنهم يحملون الفكر النسوي، ويعلنون انحيازهم التام للمرأة، وقبولهم بفكرة المساوة بين الرجل والمرأة، يساهمون في أغلب الأحيان بتكريس الممارسات الذكورية في المجتمع. ولكن هذا لا يعطي أي مبرر للذي يحدث من رفض لفكرة امكانية خلق حراك نسوي جاد في المجتمع الفلسطيني، حراك لا يستند أبداً إلى الحركة النسوية الفلسطينية، والتي برأيي غير موجودة  أصلا. وهذا الرفض يستند بشكل أساسي إلى أن النضال النسوي في مجتمع مستعمر هو نضال عبثي، يشتت الأنظار عن القضية الأساسية والتي هي تحرير الوطن. بالاضافة إلى أن الحديث عن حقوق المرأة ونضالها في سبيل تحقيقها بات يرتبط اليوم بمؤسسات الـ NGOs  الراعية الرسمية لكل ما هو نسوي مؤخرا. 

ولكن انتظر قليلاً، إذا كنت من حملة شعار "نحن في مرحلة تحرر وطني"، وبالتالي يجب أن نوحد جهودنا في سبيل مقاومة الاستعمار، كيف تتوقع أن تتحرر البلاد من نير الاستعمار ونساؤها تكبلهن العادات والتقاليد المهترئة، ويقيد نضالهن كومة من الأحكام المسبقة. وحتى لو عدنا سوية لتجربة المرأة النضالية في الانتفاضة الأولى، حيث قدمت المرأة الفلسطينية نموذجاً نضالياً رائعاً دون أن تشكل العادات المحافظة للمجتمع رادعاً لها، سنجد أنه بمجرد انتهاء الانتفاضة عادت المرأة إلى دورها التقليدي كأم وزوجة، ولم تؤهلها المشاركة الواسعة  في العمل النضالي في الانتفاضة لتكون شريكاً سياسياً حقيقياً فيما بعد، وتم اختزال هذا النضال في تشكيل مؤسسات نسوية ليست ذات تأثير سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد المجتمعي. 

ويوحي لنا ليبراليو المدينة أنهم قادمون من كوكب آخر غير هذا الذي نعيش فيه، غير مدركين أن تلك التي تلعن الذكورية والمجتمع الذكوي، لم تلعنه لإنها درست تاريخ المجتمعات الذكورية عبر التاريخ، بل لإنها تعيش كمواطنة من الدرجة الثانية فيه! وأن تلك التي تتنهد بعمق لتطالب بعدها بالمساوة التامة مع الرجل، لم تأتِ بهذا المطلب من الأفكار "الدخيلة" التي تزرعها المؤسسات النسوية ذات التمويل الأجنبي برأسها، بل من كومة المشاكل التي تلاحقها، كونها فتاة من عائلة محافظة فكرت قليلاً وقررت أن تلحق حلمها. ويتناسون أن تلك التي تستفزها بعض الكلمات التي يتفوه بها الذكور تعبيراً عن حماقتهم، تستحضر كل الدلالات الرمزية العفنة لكلمة "مرة" مثلاً عندما تسمعها، لا لإنها تريد أن تثبت تفوقها بادعائها النسوية، بل لإنها مضطرة دائماً لتخليص نفسها من المواصفات  والمعايير التي فرضت عليها من المجتمع  كشرط لقبولها فيه.

في النهاية يا نيسان، كان لابد أن أكتب لك عن هذا الموضوع، فهو يجول في خاطري منذ مدة ويبدو أنني اكتفيت من الحديث عنه في دوائر الفتيات المغلقة. وأود فعلاً أن يجيبني أحدهم، لماذا يخشون من نسويتنا التي لا نمتلكها؟ هل فعلا تروق لهم فكرة الفتاة "الليبرالية الغبية"؟ أم هل هم مدركون أننا في حال امتلكنا فكرا نسويا ريدكالياً أول ما سننقض عليه هو ذكوريتهم المخبأة، والتي لا زالوا يحتفظون بها بالرغم من كل مظاهر الليبرالية  والتحرر التي يعيشونها؟ يبدو أننا نحتاج لحركة نسوية قوية وحقيقة (نسوية عنيفة من نوع خاص) لنخلص بعض ليبراليي المدينة من فوبيا النسوية التي يعانون منها. 


صديقتك "نسوية المدينة"