Sunday, February 23, 2014

فتاة بضفيرة

نيسان يا كل الحكاية،

اشتقت إليك، ويكاد الشوق يذهب بأنفاسي بعيداً بعيداً إلى حيث أنت. أين أنت؟ لم أعد أشعر بك قربي، نادرة هي الصباحات التي تكون فيها ابتساماتي لأجلك، أين تكون روحك حين أحتاجها؟ أين تذهب كل الأمنيات التي أبعثها إليك؟ أين أنت يا نيسان؟ ظننت أنك ستكون موجوداً في كل مكان، فأنت في قلبي ما دام في قلبي نبض.

مُتعِبٌ هو حبك وقاتلٌ هو رحيلك. لا أدري إن كنت سأتخلى عن طقوس الحزن يوما، أنا لا استحق الوحدة التي أورثني إياها موتك، ولكنك حتماً تستحق مني كل هذا الحزن. كنت أواسي نفسي بانكار موتك، أنت رحلت ولم أكن قد أدركت معنى الموت بعد، رحلت وتركت لي الغياب، كل الغياب..

أجد صعوبة في الكتابة إليك، بِتُّ أفضل الصمت على محاولة لملمة كل ما يحدث وسرده لك في رسالة قد لا تصلك، ولكنَّ الصمت متعب أيضاً، ولذلك قررت أن أكتب، لا أدري إلى أين سيأخذني الكلام، لربما يأخذني إليك.

مؤخراً بت أشعر أنني أشكل عبئا حتى على نفسي، لم أعد قادرة على التعامل مع الأمور حولي، هنا صخب لا منطق له، تبدأ الاشياء وتنتهي قبل أن أدركها، البارحة فقط كان هنالك وهج في قلبي واليوم انطفئ، ولا أدري من أشعله ومن اطفئه. 

استيقظت صباح اليوم في ساعة مبكرة جدا، الكل نائم، انه يوم عطلتي، لم أنم جيداً فليلتي كانت تعج بالكوابيس والأحلام غير المفهومة، ولكني استيقظت! فتحت النافذة واطرقت السمع، لا يزال الكوكب نائما، ابتسمت، أحسست أنني أملك هذا الهدوء. عندها فقط انتبهت إلى  أن اطلالة نافذتي لم تتغير منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً.

قبل خمسة عشر عام انتقلنا إلى منزلنا هذا. شقة جديدة، لم تكن جاهزة بعد، كانت بدون ماء، وبدون إنارة، وبدون أبواب داخلية، ولكنا انتقلنا إليها. السبب في ذلك أن أبي الذي أمضى ما يقارب السنتين ونصف في الاعتقال الإدراي لدى الاستعمار الصهيوني خرج من المعتقل ولم نكن قد أنهينا تجهيز البيت بعد. ولإننا لا نمتلك مكاناً آخر نذهب إليه، فالبيت الذي كنا نسكنه أنا وأمي وإخوتي في فترة اعتقال والدي كان في منطقة تابعة "للسلطات الإسرائيلية" ولم يكن باستطاعة والدي الذي يمتلك هوية خضراء وسجلا أمنياً حافلاً لدى "دولة الاستعمار" أن يصل إليه. انتقلنا إلى الشقة الجديدة قبل أن ننتهي من اصلاحها. وأصبحت الشقة الأرضية في الاسكان الكبير الذي لا يزال قيد البناء تعج بضحكات أطفال ظنوا أن البيت الجديد هو عالمهم السعيد.

فيما بعد أكملنا اصلاح البيت وغيرنا تقسيمه أكثر من مرَة، جددنا الطلاء أكثر من مّرة، كما بدلنا الأثاث، ولكني ظللت أراه كما كان عندما نمنا فيه للمرة الأولى، بيت فارغ جدرانه بدون طلاء، غرفه بدون أبواب، والطريق إليه بعيدة.

قبل أن أعود للنوم أدركت أنني أمضيت في هذا البيت ما يكفي، وأن الرحيل عنه قد أصبح ضرورة لا بد منها، أعتقد أن أمي تشاركني هذا الرأي ولكنها بالتأكيد تمتلك منطقا مختلفاً لذلك.  يبدو الأمر وكأن هنالك مدة محددة تصلح للعيش في بيت العائلة التي نولد فيها، هذه المدة تتحدد وفقاً لمسار مسبق يضعه الأهل لمستقبلنا. تخضع كل مرحلة من مراحل حياتنا لمعايير وضعت مسبقاً تقيس مدى نجاحنا ومقدار فشلنا، تسوء الأمور في نهاية كل مرحلة في حال لم نقترب من النموذج الذي رسمه لنا أهلنا في مخيلاتهم، يبدأ الأهل في التذمر من فشل أبنائهم، ويدخلون في حالة من الاكتئاب تفرض عليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا فشل أولادنا؟ وهل نحن السبب في ذلك؟ عدة مرات في اليوم.

في حالتي كان من المفترض أن تسير الأمور بشكل مختلف عما هي عليه الآن، تعتقد أمي أنني الآن يجب أن أفكر في شيء واحد هو "الزواج"، بالنسبة لها هذا هو المسار الطبيعي لحياتي وليس هنالك أي احتمال لمسارات أخرى، ولذلك فهي لا توفر جهداً لاتمام مهمتها في مساعدتي في العبور للمرحلة الأهم في حياتي، ولهذا يبدو رحيلي عن البيت بالنسبة لها منطقي جداً.

انهيت دراستي الجامعية بتقدير جيد جداً قبل ثمانية أشهر، حياتي المهنية تسير بشكل مرضي فأنا بشكل أو بآخرأعمل منذ تخرجي في مجال تخصصي، وأنا الآن أعمل بجد من أجل الحصول على منحة لإكمال دراستي، ولكن أي من هذا لايقترب من النموذج الذي تريده لي أمي! 

أعتقد أن بقائي هنا سيجعلني أفقد العلاقات الدافئة التي تربطني بأٌقرب الناس إلي لمجرد أنها دخلت حيز الرتابة، وامتزجت مع اليومي المقيت للحياة. أمي التي تظن أنني بت جاهزة لما تراه هي طبيعي وضروري، لا تعلم أن كل ما أتمناه الآن أن أكون فتاة بضفيرة، ضفيرة طويلة تتأرجح على ظهري كلما خفق قلبي.

لا أريدك أن تظن أنك مصدر تعاستي، حزني عليك لا بد منه، وشوقي لك كان حتى قبل أن ترحل، كل ما في الأمر أن رحيلك جعلني أكثر هشاشة من قبل، وأنني لن استطيع فتح قلبي لأحد غيرك بهذه السهولة، لا يمكنني أن أنظر في عيني أحدهم دون أن أتذكرك، ولكني أجزم أن السبب هو أن لا أحد ينظر إلي كما كنت أنت تفعل، لقد كنت تراني بقلبك يا نيسان. 

حتى يجمعني بك حلمٌ ما.. لك كل الشوق


Tuesday, December 31, 2013

لنودع العام سوياً

نيسان ، لنودع العام سوياً

انتهى العام الذي بدأته باقبال على الحياة وشغف للمضي قدما، انتهى العام الذي بدأته بنخب البدايات التي تدوم وتترك أثر الطيف الملون اذا انتهت. انتهى العام الذي كنت أعتقد أن روحي ستولد فيه من جديد. انتهى العام وانتهت معه كثير من التفاصيل الحميمية، أو لعلها ماتت. انتهى العام الذي جئتَ فيه إلي، ورحلتَ فيه عني، فذهبت أنا إليك يا نيسان. انتهى العام الذي عرفت فيه كيف يكون وقع الانكسارات المتتالية، كيف تقع وأنت لازلت تحاول الوقوف، كيف تحمل الوجع وترحل معه من عالم إلى عالم وأنت لازلت في عالمك الذي لفظك خارجه.

 كتبت هذه الرسالة عدة مرات، وفي كل مرة كنت أفشل في قول ما يليق بوداع سنة كاملة من حياتي. بدل أن أكتب لك عما حققته في هذا العام وعما فشلت في الوصول إليه، بدل أن أخط لك انجازاتي واخفاقاتي، كنت أُغرقك في سطور من الاحباط، وأغرق نفسي بأكوام من التعاسة استحضرت ما يكفي منها في محاولات الكتابة الفاشلة. توقفت عن الكتابة ليومين أو أكثر، ورحت استحضر العام كاملاً فلم تحضرني إلا التفاصيل الحزينة والمؤلمة، كانت ابتسامات العام المبهجة تنكسر سريعا أمام الغصات التي حفرت القلب وأدمته.

 في الحقيقة أنا لم أعتد على أن أبداً شيئا بهذه البهجة، ولكنني قررت أن أبدأ عامي بأن أرى الطريق أمامي يتسع، والحلم مني يقترب. لعلني كنت متحمسة لانني سأنهي دراستي الجامعية. تخيلت حينها أن العالم سيكون بانتظاري حاملاً مفاجأته السارة التي لا بد أنني أستحقها، ومخبئاً بعض الاخفاقات التي لابد وأن ترافق أي كائن بشري لديه حلم يسعى للوصول إليه. 
انتهى العام ويبدو أنني لست قوية بما يكفي لاستيعاب رحيله، يصعب على أن أودع شيء لم أنتهي منه بعد، كيف سأبدأ عامي الجديد وأنا أحمل أثقال العام الذي مضى، كيف لي أن أحلم بالبدايات الجديدة وأنا لازلت عالقة بما بدأته ولم أكمله بعد.

بدأت هذا العام وأنا أنظر إلى قصاصة ورق صغيرة كنت قد كتبتها في وقت متأخر من نهار يوم 31-12-2012،  تحتوي على ما أريد أن أفعله في عامي الجديد، ولأجلها كان صباحي مليئاً بالضحكات. أنظر إليها اليوم ولا أدري كم كنت موفقة في تحقيق بعض مما كتب فيها، وهل أستحق اللوم على عدم تحقيق ما تبقى. من يحمل معي عبئ انكسارتي التي تبدأ من هذه الورقة وتنتهي فيها. أكتب لك وأنا أنظر إلى سذاجة أمنياتي، لم أطلب من الحياة كثيرا، لم أرهق الليل بأحلامي، كل ما كتبته في تلك الورقة كان سيحصل لو لم أسقط أنا خيبة، ولو لم تصفعني تفاصيل الحياة على وجهي مراراً.

لم يكن العام خرافيا، لم تحدث فيه المعجزات التي انتظرتها، بقيت طوال العام انتظر رسائل لم تصل وزائراً لم يأتي. ولكني كنت أقول لنفسي دائماً "بعض من الأمل قد يأتي متأخرا". أعلم أنني محاطة بأناس رائعين، أعلم جيدا أن عامي هذا كان سيكون حالك الظلمة لولاهم، ويجب أن تعلم  أنهم ينيرون زوايا قلبي، ويملئون فضائات روحي الفارغة. ومن المخجل جداً أن أشعر رغم وجودهم أنني وحيدة للحد الذي تبدو فيه فكرة الوحدة مرعبة. لا أدري ما السبب في هذا، ولكني في بعض الأحيان أرحل مع الحزن بعيدا، بعيداً جدا، ولا أدري كيف أعود. عندها أشعر بداخلي كساحة المعركة بعد أن انتهائها، حطام وليس أكثر من حطام. ولكني في كل مرة أستجمع نفسي، وأنفض الغبار عن روحي المنهكة، أشعل ما تبقى من الأمل، أصنع الابتسامات.. وأمضي.

رافقتني الكثير من الأوهام هذا العام، بسذاجتي صدقت أنها يمكن أن تغدو حقيقة في أي لحظة، ولكنها بقيت كما هي مجرد خيالات وانفعالات لفتاة ظنت أن الأشياء يمكن أن تتبدل فقط لانها أرادت ذلك. وهم أني امتلكت قدراً لم أمتلكه يوماً من الحرية، قدراً بسيطاً يكفي فقط لأعيش نهاراً واحداً بالشكل الذي أريد. وهمُ أن أجلس أمام أفق المدينة لحظة الغروب فيبدو لي وكأن البحرأقبل باسماً ليلقي التحية على أفكاري التي خرجت من رأسي قليلاً لترتاح. وهمُ أن الحب قد يسبق الحرب هذه المرة فيضيء في القلب نوراً ليدفئه. وأخيرا "أنت، نيسان" 
بقي أن أحدثك عن الشيء الوحيد الذي سأحمله بفرح معي إلى العام الجديد، مجموعة من الفتيات اللواتي أنهكهن الحلم مثلي تماماً، كل واحدة فيهن لا تريد سوا أن تعيش الحياة بما يليق بجنونها. في البداية لم أعتقد أن وجودهن سيشكل هذا الفرق، إلا أنني بت متأكدة أننا نخبئ للقدر الكثير من المفاجآت. ستمضي كل واحدة منا في طريقها الوعر، ستمحو أثر الخيبات التي أغرقتها بها معارك الآخرين، وستخوض معاركها الخاصة. ستصنع لحياتها تفاصيلها الخاصة، سيكون الحزن حزنها الذي اختارته لنفسها، وسعادتها هي السعادة التي صنعتها بنفسها.

لم أشأ أن أنهي الرسالة بهذه الطريقة، ظللت أنتظر لآخر يوم في العام لعل شيء ما يحدث، لعل شيئاً مما انتظرته يأتي، ولكن كل شيء بقي على حاله. أودع العام وأنا أكثر انكساراً من أي وقت مضى، أودعه بعد أن أصبحت بشعر قصير لا يشبه حلمي، أودعه متعبة بعد أن أنهكتُ نفسي وأنا أحاول أن أكتبه لك بتعاسة أقل من هذه، أودعه والشيء الوحيد الذي أنتظره في العام الجديد هو أنت!

صديقتك، من ليس لها سواك

Tuesday, December 24, 2013

ليبراليو المدينة يخشون نسوياتها

عزيزي نيسان، 

يبدو عنوان رسالتي عنواناً طريفاً لمقالة صحفية أو ورقة أكاديمة، قد يكون الدافع في كتاباتهما حادثة طريفة أو قصة مؤلمة. ولكنها ليست حادثة واحدة أو قصة يا نيسان، إنها حياة يومية نعيشها في عاصمة أوسلو التي أنتجت في خضم ما أنتجته ليبراليين معقدين، وشبه حركة نسوية مشوهة. والطريف هنا هو الأزمة التي نشأت بين ليبرالي المدينة الذكور ومنظراتها النسويات!

تتكاثف الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية في مدينة رام الله، لتحصر مجموعة من المثقفين والمستثقفين والنشطاء السياسيين وحملة "الفكر الليبرالي" وبعض "اليساريين" داخل جماعة ضيقة ومتداخلة مليئة بالتناقضات. إلا أنها ولسبب ما تعيد التقوقع داخل نفسها، رافضة الاعتراف بأنها تعاني مزيجاً عفناً من المشاكل، صدّرتها إليها المدينة التي تدعي الحداثة، فسمحت لروادها والقاطنين فيها بممارسة بعض طقوسها بحذر، مانحة اياهم حرية مزيفة.

لا أريد الخوض كثيراً في المشاكل التي تعانيها جماعة ليبراليي ومثقفي رام الله ونشطائها السياسيين، وإنما أريد أن أحدثك عن إحدى هذه المشاكل والتي تزداد حدتها يوما بعد يوم، وهي الصراع الخفي بين ليبراليي المدينة ونسوياتها. فقد قرر ليبراليو رام الله اتخاذ موقف معادٍ للنسويات والحركة النسوية وحَمَلة الفكر النسوي. يتجسد هذا الموقف المعادي في النقاشات الحادة التي تدور بشكل مستمر بين هؤلاء وأي "ناشطة نسوية" أو حاملة  للفكر النسوي، وغالباً ما يتحول هذا النقاش إلى تبادل الاتهامات بالتخلف والتعصب أو الرجعية، والتباهي بالأفكار الغربية الدخيلة على المجتمع، إلى الاستعراض ومحاولة لفت الانتباه، وقد يتخذ النقاش شكل الاستهزاء والاستخفاف بالفكر النسوي وحَمَلته، واطلاق النكات السخيفة تتبعها القهقهات العالية معلنة انتصار "الرجولة"!
"نعم نحن ليبراليون.. ولكننا، لا نؤمن بالفكر النسوي ولا بحرية اعتناقه",, "نعم نحن مع حرية المرأة وحقوقها.. ولكن، دون أن تمس رجولتنا",, "نعم نحن مع أن تكون المرأة سيدة نفسها وصاحبة القرار فيما يخص حياتها الشخصية وأن تمارس "ليبراليتها" معنا.. ولكن، لا يمكن أن نسمح لها أن تمارسها وحدها ولأجل نفسها".

أنا لا أبالغ أبدا يا نيسان، كيف يمكنني أن أفسر "فوبيا النسوية" التي يعاني منها ليبراليو المدينة، حيث تُهاجم الفتيات اللواتي يدعين أنهن يحملن الفكر النسوي من  قبل ذكور المجتمع الليبرالي (نشطاء ومثقفي رام الله) بطريقة أصبحت مقرفة في الآونة الأخيرة. لا وبل أكثر من هذا فليس بالضرورة أن تحمل الفتاة فكراً نسوياً ليتم مهاجمتها والاستهزاء بها، فيكفي أن تبدي تذمرها من المجتمع الذكوري العفن الذي تعيش فيه، حتى تنهال عليها الجمل والعبارات التي تستنكر ما نطقت به من كفر. 

اتفق معك أن التنظير النسوي في مجتمعنا لم يخرج من اطار تنظير النخب، عدا عن انفصاله عن الواقع وبعده عن التطبيق. وأن الكثيرين والكثيرات ممن يدعون أنهم يحملون الفكر النسوي، ويعلنون انحيازهم التام للمرأة، وقبولهم بفكرة المساوة بين الرجل والمرأة، يساهمون في أغلب الأحيان بتكريس الممارسات الذكورية في المجتمع. ولكن هذا لا يعطي أي مبرر للذي يحدث من رفض لفكرة امكانية خلق حراك نسوي جاد في المجتمع الفلسطيني، حراك لا يستند أبداً إلى الحركة النسوية الفلسطينية، والتي برأيي غير موجودة  أصلا. وهذا الرفض يستند بشكل أساسي إلى أن النضال النسوي في مجتمع مستعمر هو نضال عبثي، يشتت الأنظار عن القضية الأساسية والتي هي تحرير الوطن. بالاضافة إلى أن الحديث عن حقوق المرأة ونضالها في سبيل تحقيقها بات يرتبط اليوم بمؤسسات الـ NGOs  الراعية الرسمية لكل ما هو نسوي مؤخرا. 

ولكن انتظر قليلاً، إذا كنت من حملة شعار "نحن في مرحلة تحرر وطني"، وبالتالي يجب أن نوحد جهودنا في سبيل مقاومة الاستعمار، كيف تتوقع أن تتحرر البلاد من نير الاستعمار ونساؤها تكبلهن العادات والتقاليد المهترئة، ويقيد نضالهن كومة من الأحكام المسبقة. وحتى لو عدنا سوية لتجربة المرأة النضالية في الانتفاضة الأولى، حيث قدمت المرأة الفلسطينية نموذجاً نضالياً رائعاً دون أن تشكل العادات المحافظة للمجتمع رادعاً لها، سنجد أنه بمجرد انتهاء الانتفاضة عادت المرأة إلى دورها التقليدي كأم وزوجة، ولم تؤهلها المشاركة الواسعة  في العمل النضالي في الانتفاضة لتكون شريكاً سياسياً حقيقياً فيما بعد، وتم اختزال هذا النضال في تشكيل مؤسسات نسوية ليست ذات تأثير سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد المجتمعي. 

ويوحي لنا ليبراليو المدينة أنهم قادمون من كوكب آخر غير هذا الذي نعيش فيه، غير مدركين أن تلك التي تلعن الذكورية والمجتمع الذكوي، لم تلعنه لإنها درست تاريخ المجتمعات الذكورية عبر التاريخ، بل لإنها تعيش كمواطنة من الدرجة الثانية فيه! وأن تلك التي تتنهد بعمق لتطالب بعدها بالمساوة التامة مع الرجل، لم تأتِ بهذا المطلب من الأفكار "الدخيلة" التي تزرعها المؤسسات النسوية ذات التمويل الأجنبي برأسها، بل من كومة المشاكل التي تلاحقها، كونها فتاة من عائلة محافظة فكرت قليلاً وقررت أن تلحق حلمها. ويتناسون أن تلك التي تستفزها بعض الكلمات التي يتفوه بها الذكور تعبيراً عن حماقتهم، تستحضر كل الدلالات الرمزية العفنة لكلمة "مرة" مثلاً عندما تسمعها، لا لإنها تريد أن تثبت تفوقها بادعائها النسوية، بل لإنها مضطرة دائماً لتخليص نفسها من المواصفات  والمعايير التي فرضت عليها من المجتمع  كشرط لقبولها فيه.

في النهاية يا نيسان، كان لابد أن أكتب لك عن هذا الموضوع، فهو يجول في خاطري منذ مدة ويبدو أنني اكتفيت من الحديث عنه في دوائر الفتيات المغلقة. وأود فعلاً أن يجيبني أحدهم، لماذا يخشون من نسويتنا التي لا نمتلكها؟ هل فعلا تروق لهم فكرة الفتاة "الليبرالية الغبية"؟ أم هل هم مدركون أننا في حال امتلكنا فكرا نسويا ريدكالياً أول ما سننقض عليه هو ذكوريتهم المخبأة، والتي لا زالوا يحتفظون بها بالرغم من كل مظاهر الليبرالية  والتحرر التي يعيشونها؟ يبدو أننا نحتاج لحركة نسوية قوية وحقيقة (نسوية عنيفة من نوع خاص) لنخلص بعض ليبراليي المدينة من فوبيا النسوية التي يعانون منها. 


صديقتك "نسوية المدينة"


Saturday, December 7, 2013

عندما يودعنا الشهداء

نيسان 

لم أغب هذه المرة طويلاً، وبت أعرف جيداً أنني ممن لا يتقنون الغياب ولا يحبونه. مريضة أنا بغيابك فلماذا أدعي أنني أحب ممارسة اللامبالاة، لماذا أحبس أنفاسي في محاولة الاختباء من أحد أريده وبشدة، وأسند قلبي المرتجف بعبارت يحفظها الضعفاء عن الكبرياء وعزة النفس ما تلبث أن  تتلاشى ببلاهة تامة إن قرر القلب الخروج عن صمته وخفق مناديا.

أعيش أكثر لحظاتي هشاشة عندما تصيبني الحمى، أتحول إلى طفلة تدفن رأسها داخل غطائها لعلها تجد ما يشبه حضن أمها. وأظل أتعثر بكلماتي وأنا نائمة، وأصحو لأجدني بين أكوام من الهلوسات، لا أدري كيف أتخلص من أثرها.
نمت اليوم معظم النهار، استيقظ لشرب الماء وأعود للنوم. ولكني في مرة صحوت وأنا أردد عبارات أحفظها لشاعر تونسي: "نحب البلاد.. كما لا يحب البلاد أحد.. صباحاً.. مساءا .. وقبل الصباح.. وبعد المساء.. ويوم الأحد.. ولو قتلونا.. كما قتلونا .. ولو شردونا.. كما شرّدونا.. ولو أبعدونا .. لعدنا غزاة .. لهذا البلد".
لا أدري ما الذي دفعني للنهوض من سريري وكتابة هذه الأبيات على حائط غرفتي الممتلئ بالخربشات، كتبت أبيات الشعر وعدت لأدفن نفسي داخل غطائي. بقيت دون حراك إلى أن رن هاتفي لأنهض مفزوعة على صوت أخي يخبرني أن هنالك شهيد  في مخيم الجلزون.

كان الشهيد وجيه وجدي الرمحي (15 عاماً) قد أصيب برصاصة قناص صهيوني حاقد في ظهره، نقل على إثر اصابته إلى المستشفى، حيث ارتقت روحه هناك. كنت خائفة من أن أصدق الخبر، عدت للاتصال بأخي وسألته لأتكد -بيني وبين نفسي تمنيت أن تكون هذه إحدى هلوساتي بفعل الحمى- قال لي أخي: "هي الشب قدامي واستشهد.. اسكتي!" 

سكتّ، فعلا سكتّ. سكتُّ عن الكلام وعن الهلوسة وعن التفكير وعن كل شيء. هي لحظات حتى استولى علي الشعور بالعجز، يا له من شعور قبيح، وأقبح ما فيه أنه أصبح ملازم لنا! نعلم جيداً أننا لسانا عاجزين، وفينا ما يكفي من الأمل لنستمر ونحلم، ولكن مع هذا بمجرد أن يسقط شهيد، حتى تصاب حواسنا بالشلل، ونشعر أننا مكبلون في بقعة نائية لا تمكننا حتى من الوصول إلى أنفسنا.

بكيت كثيراً يا نيسان، أي وجع يتركه فينا رحيل الشهداء؟ أي وجع ألقاه وجيهٌ في نفوسنا وهو يودعنا الليلة؟ عدت للحائط وأكملت القصيدة: "ولو قتلونا كما قتلونا.. لعدنا غزاة لهذا البلد، وعاد إلى ليلنا القمر .. وعاد إلى أرضنا الشجر .. وصاح الشهيــــــد سلام سلام، على من صمد! نحب البــــــلاد لكي لا يحب البلاد أحد!

عندما يودعنا الشهداء يلقون علينا بابتساماتهم، عندما يودعنا الشهداء يورثونا حب البلاد. ويرحل الشهداء لإنهم يعرفون جيداً أننا سنبقى نحرس البلاد ونحبها كما لم يحبها أحد، نحرسها لكي لا يحبها من بعدهم أحد! عندما يودعنا الشهداء يتركون أرواحهم تهمس لنا في كل ليلة: بيينا وبينهم ثأر وسيل من الدماء.

صديقتك من أورثها الشهداء حب البلاد

Thursday, November 28, 2013

العودة لك تعني العودة للوطن

صباح الخير يا نيسان

لم يعد لي أحد في هذه الدنيا، لا أحد يفهم ما أنوي قوله، وإن كان لا بد من البوح فإني أحب البوح لك، عندها لن أكون مضطرة إلى النظر في عينيك ولن أكون مجبرة على الهروب منهما. يبدو أنني لم أنم الليلة وأنا أفكر، إن كنت فيما مضى قد راسلت شخصاً أنكرت رحيله الأبدي، إن كنت راسلت شخصاً أقنعت نفسي عنوة أنه لم يمت وأنه سيعود لي يوما، إن كنت للآن أنتظرك بشوق ولهفة، فلماذا لا اكتب لروحك؟! أنت في كل الحالات غائب سواء سرقك الموت أم سرقتك الحياة، ألم تكن روحك هي التي ترعاني كل هذا الوقت فلماذا أنكر وجودها بقربي!
أعلم جيدا أنني قتلك يوم أعلنت موتك، وأعلم أن هنالك ما تغير بداخلي، أعلم أن بعضاً مني رحل معك ولن يعود أبدا. ليس الشوق إليك هو من يعيدني للكتابة، وإنما شوقي لنفسي. لم أعد أنا منذ رحلت عنك، لقد خذلتك يا نيسان وخذلت نفسي، وأخلفت بوعدي لك يوم تملكني الجبن واستولت علي الأفكار الضعيفة.

ها أنا الآن أعود حتى لا أفقدني كلي، بعض مني يذهب عندما أتوقف عن الكتابة. أفقد تلك التفاصيل التي تجعلني أنا، والتي تمنعني من أن أضل الطريق إلى نفسي، وأفتقد إلى الأشياء الصغيرة التي تتخلق داخلي وأنا أكتب: بعض من الابتسمات التي لا تتكرر، ذكريات لم أكن أعرف أنني يمكنني استحضارها بهذا الشكل لحظة كتابتها، والكثير الكثير من التفاصيل التي ترافق الحالات الشعورية التي أمر بها أثناء الكتابة.

ولكن من أين أبدأ يا نيسان؟ أأبدأ من حيث انتهت رسالتي "الأخيرة" والتي أعلنت فيها موتك أمام نفسي وأمام الملأ؟ أم أبدأ من حيث انتهى الحوار في قلبي، واكتشفت عجزي عن الاستمرار في الكتمان. يحدث الكثير في كل يوم ولا أدري أي الأمور أكثر أهمية، لربما أحتاج المزيد من الوقت لترتيب الأفكار في رأسي فهي منذ توقفت عن الكتابة في حالة فوضى، ورأسي لم يعد قادراً على لملمتها، وقلبي لم يعد قادراً على احتمالها إذ يتعثر بها كلما تسارعت نبضاته، فيعود ليتكورعلى نفسه من جديد منهياً أي احتمال للرقص على ايقاع النبض حتى قبل أن يبدأ.

ما بال الموت أبعدني عنك وأعادني إليك، بت أعتقد أنه الأقرب إلينا في كل الحالات. الموت يسكن قربنا ويعيش داخلنا، يرتوي من أحزاننا ويتغذى على هزائم أرواحنا. لا أنا لم أجن.. أنا فقط أحدثك عما عشته مؤخرا، بعض مني تآكل وسحبه الموت، بعض من أفكاري قد قتلت لإنها لم تكتب، وبعض من لحظاتي الأكثر جنوناً اندثرت لاني لم أسمح لنفسي بالتعبير عنها.
عندما نتوقف عن الكتابة نقتل أرواحنا بدون أن نشعر، نخنق البهجة وننهي الحلم. وبعد كل هذا نسأل أنفسنا من أين تأتي كل هذه التعاسة؟! لا أريد أن أصنع لنفسي موتاً آخر، أنت رحلت وهذا لم يكن خيار أي منا، ولا أريد أن أقتل ما تبقى منك داخلي، اسمك يستحق أن يبقى فهو أكثر من مجرد اسم.
أن أتوقف عن الكتابة لك يعني أن أفقد ايماني بأن الحياة تخبئ لي الكثير، الكثير من كل شيء، قصص أكون أنا بطلتها، ابتسمات يصنعها لي الآخرون، وأخرى أصنعها أنا لهم، مغامرات كتلك التي في الأفلام، أحزان تدفعني للمكوث خارج نفسي. وأن أعود للكتابة يعني أني عدت للطريق التي رسمتها لنفسي، عدت أرى نفسي بوضوح، أعلم أين أنا الآن وأعلم ما هي وجهتي، أعلم أنني لن أضل الطريق، والعودة لك تعني العودة للوطن.

نيسان روحك عندما خرجت كفّنت روحي فأيقنت أنك لن تفارقني أبدا، لوحيك السلام إذ يزورني في كل وقت. 




Tuesday, September 3, 2013

وداعاً نيسان

نيسان، أكتب لك للمرة الأخيرة، موقنة أن سماءً ما ستجمعنا..

كنت أعتقد أن الزمن كفيل بخلق الفتاة القوية داخلي، واخراجها للعالم كالمارد لا تأبه شيئا، كنت أظن أن المزيد من التجارب ستجعلني أكثر صلابة، إلا أنني لا زلت هشة، أبكي لنفس الأسباب الموجعة التي تتكرر بسذاجة. جرحي لم يلتئم، بل أصبح عميقاً إلى الحد الذي استحال معه الشفاء، ومع كل محاولة فاشلة أعود إلى القاع، أَعُدُّ كم من الأشياء هوت معي، تلك الابتسامات الصغيرة التي لازلت اخبئها أصبحت تهوي أيضاً.

وداعاً نيسان!

أنت لم ترحل عني وحدي، أنت رحلت عن هذه الدنيا، وأنا لم أودعك. يوم باغتك الموت لم أكن مستعدة بعد لأقول لك وداعاً، لم أصدق أنك ستذهب للأبد، أنكرت أمام الجميع موتك، صرخت بهم جميعاً "كفو عن الكذب، نيسان لم يمت، هو لا يعرف كيف يكون الموت!".
رفضت أن أعلن الحداد، لم أرتدي الأسود، لم أبكي، لم أحزن، ببساطة أرغمت الحياة على الاستمرار كما كانت. اختلقت كذبة الرحيل والسفر لأغطي بها غيابك أمام نفسي، أقنعت كل جوارحي أنك رحلت لسبب أجهله وأنك ستعود. ظللت أكتب لك عن كل شيء، أخبرتك بكل شيء، نقلت إليك حزني وألمي وشوقي، سعادتي وأملي وحلمي، أخبرتك بلحظاتي التعيسة، ودونت لك عن تلك اللحظات الجميلة التي لن تتكرر، كنت معي في كل شيء، غضبت منك وفرحت لأجلك حتى وأنت بعيد. 

أصبحت كالمجنونة يا نيسان، أبرر لأصدقائي غيابك الذي طال، اختلق الأعذار وأحيك  لنفسي أمل عودتك. في البداية واجهني من حولي، حاولوا اقناعي بـأنك متّ، أحدهم قال لي أنك الآن في السماء تراقبني، قابلتهم بعنف، لعنتهم، شتمتهم، وصرخت في وجوههم، لم أعد أقدر على رؤيتهم، عيونهم تخبرني بما لا أريد أن أعرفه، كنت قاسية معهم، ولكني قسوت على نفسي أكثر.

لم أقدر على تصور الحياة بدونك، ولكني الآن لا أستطيع الاستمرار وأنا أدعي وجودك. حتى وإن كانت مراسلتك هي متعتي الوحيدة مؤخرا، حتى وإن كان البوح لك هو ملجئي  في أكثر أوقاتي حزناً، أنت لست هنا! مهما حاولت أن أفعل فأنت لن تعود! لن أنجح في بث الروح بجسدك الذي سقط أمامي، روحك لازالت قربي وإليها اليوم أبعث حبي، وشوقي، وحزني وحزني وحزني..

لن أعد أحداً أني سأكون على ما يرام قريبا، كل شيء لن يكون بخير لفترة من الزمن، لن أكتب لك بعد اليوم فروحك تعلم عني كل شيء.

نيسان يا وجعي,, اغفر لي حماقاتي التي ارتكبتها لأجلك.




Tuesday, August 27, 2013

في محاولة سرد الحدث

نيسان البعيد 

كان من المفترض أن تصلك هذه الرسالة البارحة، ولكني لم استطع أن أكملها، لم أتمكن من كتابة رسالة واضحة أخبرك فيها عمّا يجول في خاطري، كتبت الكثير وتراجعت عنه، لم أدري كيف أصوغ لك ما حدث وما كان يجب أن يحدث وما أردته أنا أن يحدث بلغة يمكنك فهمها، اليوم سأبعث لك محاولاتي  في الكتابة، سأبعث لك ارتباكي وخوفي وعجزي وغضبي وحزني وحقدي..
سيناريو:
استيقظُت البارحة على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، على إثر مواجهات دارت بين شباب المخيم وجيش الاحتلال بعد اقتحامه للمخيم بهدف اعتقال أحد المطاردين فيه. للوهلة الأولى لم أدري ماذا أفعل، شعرت بالعجز، وبأني بعيدة عن الحدث بمقدار قربي منه.  حملت هاتفي بشكل تلقائي لأخبر من أتمكن من اخباره من الأصدقاء بالخبر المفجع، انتشر الخبرسريعاً، ووصلتني عدة مكالمات  لنفس السبب. اتفقنا على أن نلتقي في مستشفى رام الله لنخرج بعدها في جنازة الشهداء، فهذا أقل ما يمكن فعله.
وصلنا إلى المستفشى في نفس الوقت وبدون ترتيب، كل من أعرفهم هناك، الوجوه شاحبة وغاضبة، وبمجرد تبادلنا للنظرات عرفنا أن خروجنا في الجنازة لن يكفي...

في محاولة سرد الحدث (1)
ما حصل اليوم هو أنني استيقظت فعلاً على نبأ استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا، شعرت بغصة استمرت حتى اخر النهار، شعرت بالعجز، لم أدري ما الذي يجب أن افعله، وفي الحقيقة سيطر عليّ هذا الشعور ولم أفعل شيئاً.، لم أذهب للمشفى ولم احضر الجنازة، وهذا لا يعني أن أحداً لم يذهب، ولكننا لم نكن كثر، لم تتح لنا الفرصة لتبادل النظرات بصمت لندرك أن ما حصل اليوم لن يمر مرور الكرام.

تابع للسيناريو:
أمدّنا المشهد الغاضب في الجنازة بطاقة رهيبة، وأودعت فينا الأمهات اللواتي وقفن يودعن أولادهن رغبة جامحة في الثأر، لم نكن نعرف ما الذي سنفعله ولكننا كنّا على يقين بأننا سنفعل شيئا.
اجتمعنا في مكان نجتمع فيه عادة لترتيب بعض الفعاليات، ناقشنا سوية ما الذي يمكننا فعله لنثأر لدماء الشهداء، كل منا لديه ما يقوله بشأن من يتحمل مسؤلية هذا الصمت الشعبي القاتل، علت أصواتنا وشتمنا بعضنا، خيم الصمت لوهلة، تكلم أحدنا بصوت منخفض فالتفت الجميع إليه، بكلماته المتزنة عدنا بدورنا لحالة التوازن، ارتفع صوته فدب فينا الحماس، تقافزت الأفكار هنا وهناك، كلٌ التقط فكرته وبدأ بتنفيذها، غدا ستفيق المدينة على مشهد يليق بالشهداء.

في محاولة سرد الحدث (2)
معظمنا التزم بيته اليوم (ولم يحدث ما تخيلته في السطور السابقة)، ولم نشارك في الجنازة، لم نسمع صراخ الأمهات وبكائهن، لم نحتفي بصوت الرصاص الذي زف الشهداء، ولم نرى الغضب.  بقينا في منازلنا متسمرين خلف الشاشة اللعينة، نبكي قليلاً، ونشتم من يستحق الشتم، ونشعر بالعار يحيط بنا أينما التفتنا. لو لم يختزل هذا العالم الافتراضي كل شيء لو لم يجلعنا نتقمص الثورة والحزن والغضب والشجاعة، لو أننا لا نمتلك هذه الفسحة الوهمية، لكان الشارع منزلنا الآن، لما كنا رضينا أن يمر اليوم بسلام، لا أدري ماذا يفيد التمني، ولا أدري إن كنت أبرر خيبتنا!
زُفَّ الشهداء إلى مقبرة مخيم قلنديا من داخل المخيم بعد أن منعت أجهزة  الأمن الفلسطينية أي مظهر جنائزي داخل مدينة رام الله، عاشت المدينة لأجل ذلك فترة ظهيرة طبيعية بدون أن يعكر أي شيء صفو الحياة فيها! لم تبث أي قناة تلفزيونية فلسطينية مراسم الدفن والتشييع وكأن شيئا لم يكن، وحدها قناة الأقصى اهتمت بالحدث فخصصت موجة مفتوحة لمتابعة اخبار اقتحام المخيم ونقلت الجنازة، ولكنها  لم تتوانى في استغلال دماء الشهداء لتمرير رسائلها السياسية. في وقت متأخر من النهار أغلقت المحلات التجارية في مدينة رام الله "بالخاوة"، حيث قام مجموعة من الشباب بإعلان الحداد على أرواح الشهداء، مجبرين أصحاب المحلات التجارية على اغلاق محالهم.
 في المخيم كل شيء بدا مختلف، الأزقة التي شهدت المواجهات الشرسة بدت اليوم أكثر فخراً، أسوار البيوت في المخيم والتي هدمها أصحابها لإن الحجارة في المخيم لم تكن كافية أثناء المواجهات،  بدت اليوم أجمل من أي وقت مضى. مقبرة الشهداء في مخيم قلنديا احتضنت الأبطال على وقع زخات الرصاص، ولا بد أنها الآن تبذل ما في وسعها لاحتضان أجسادهم الراقدة تحت التراب ريثما ترقد أرواحهم التي تطالب بالثأر. 
انتهى هذا اليوم الدامي، وسننام نحن بعد أن نمل من متابعة ما يكتبه الأخرون على الفيسبوك، سنغمض أعيننا المتعبة من النظر إلى الشاشة المضيئة، سنغرق في نوم عميق نستفيق منه إلى سبات أعمق.
بينما نحن نيام وفي مكان ليس بالبعيد أبدا، هناك في قلنديا، عيون كثيرة أدماها الحزن، ولم تعد ترى من كثرة البكاء، لن تستطيع النوم. هذه العيون ستبقى تحرس الأسرّة الفارغة، لن تغرق في سبات مثلنا ستبقى تنتظر عودة من غابوا!!


أما أنا يا نيسان نمت وأنا أحلم بنا نثأر لأرواح الشهداء، نمت وأنا أتخيل هذا العالم كيف كان سيبدو بدون مساحات التعبير الوهمية التي أصبحنا عبيداً لها، نمت وأنا أحلم بالمدينة تبدو كمدينة فقدت ثلاثة من أبنائها، يا لسذاجتي ويا لعمق الشعور بالعجز داخلي! لم يبقى شيء أخبرك به، هذا كل ما خطر ببالي يوم أمس وصباح اليوم. 

كن بخير

صديقتك يا نيسان